كيف تعيش مع النرجسي دون صراع؟
في حلقة جديدة من برنامج “قاموس علم النفس مع إبراهيم زيدان”، نناقش موضوعًا يهم الكثيرين: “كيف يمكن العيش مع النرجسي دون صراع؟” هذا السؤال يتكرر كثيرًا بين ضحايا النرجسية، الذين يعانون من صعوبة التعايش مع شخص نرجسي سواء كان رجلًا أو امرأة. ولكن، هل هناك طريقة للتعايش مع النرجسي بسلام وهدوء؟ الإجابة على هذا السؤال قد تكون محبطة للبعض، لأنها تتضمن تنازلات وخسائر كبيرة في الحياة النفسية والعاطفية.
النرجسي هو شخص يعاني من نقص داخلي عميق. هذا النقص لا يمكن أن يُشبع بأي شكل من الأشكال، مهما حاول. يشعر النرجسي بأن هناك فراغًا في داخله، هذا الفراغ يجعل الشخص النرجسي دائمًا في حالة من السعي المستمر لإشباع هذا النقص. إذا حاولت إرضاءه أو تقديم الدعم، فلن تجد منه شكرًا أو رضا، لأنه ببساطة لا يشعر بالرضا عن نفسه أو عن أي شيء في حياته. يظل هذا النقص قائمًا، ويستمر في التأثير على سلوكه وتفاعلاته مع الآخرين.
أحد الأساليب التي يستخدمها النرجسي لتعويض هذا الشعور بالنقص هو خلق الصراعات. يدخل في نزاعات مستمرة مع الأشخاص من حوله، سواء كانوا أصدقاء، أفراد عائلة، أو شركاء حياة. هذه الصراعات تُشعره بالقوة، وتجعله يعتقد أنه “منتصر” حين يسيطر على الآخرين أو يجرهم إلى صراع. وهذا الصراع لا يؤدي إلى حل المشاكل، بل يسبب فقط المزيد من التوتر والدمار النفسي للطرف الآخر.
إذا كنت تسأل: هل يمكنني العيش مع شخص نرجسي دون صراع؟ الإجابة الصادقة هي: لا. النرجسي لا يستطيع أن يعيش في هدوء؛ فهو يعتمد على الصراع كوقود داخلي له. يحتاج إلى هذا الصراع ليشعر بالقوة والتحكم، ويشبع الفراغ الذي يشعر به. لذلك، حتى لو كنت تسعى جاهدًا للعيش في هدوء، ستظل تجد نفسك في صراع دائم معه.
ولكن، هذا لا يعني أنه لا يوجد حل. الحل يكمن في فهم طبيعة الشخص النرجسي وتعلم كيفية التعامل معه. أهم خطوة هي التعافي النفسي. يجب أن تتعلم كيف تحافظ على هدوئك العاطفي، وتفهم لعبة النرجسي وتوقع سلوكياته، حتى لا تتمكن من استدراجك إلى صراعاته المستمرة. لكن هذا لا يعني أنك ستعيش بدون خسارة. فالتعايش مع النرجسي يتطلب منك فقدان شيء ما، إما مشاعرك أو وقتك أو حتى جزء من حياتك.
في النهاية، الحل مع النرجسي يتطلب استراتيجية من نوع خاص: الصمت العقابي. النرجسي، عندما لا يستطيع الحصول على تغذيته العاطفية من خلال الصراعات، قد يلجأ إلى تجاهلك أو الابتعاد عنك في صمت طويل. هذا الصمت، على الرغم من أنه قد يبدو مريحًا في البداية، إلا أنه في الحقيقة إعلان ضمني لخسارته، وهو يختار الابتعاد لكي يجد ضحية جديدة ليتغذى عليها.
لذلك، إذا كنت عازمًا على التعامل مع شخص نرجسي، يجب أن تكون مستعدًا للخسارة. سواء كانت خسارة عاطفية أو فكرية، فالتعامل مع النرجسي يعني التعايش مع هذا التناقض العاطفي. الأمر يتطلب منك قوة شخصية وقدرة على الصمود، مع التمتع بالوعي الكافي للتعامل مع التلاعب العاطفي والنفساني الذي يمارسه النرجسي.
التعامل مع النرجسي ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب منك أن تكون قويًا نفسيًا، وأن تتعامل مع هذه الشخصية بحذر، مع فهم عميق لطبيعتها وأسلوبها في الحياة.