النرجسية في رؤية سيجموند فرويد: الليبيدو، الأنا، والتحليل النفسي (دراسة متعمقة في النرجسية بالعربي)
المقدمة: فرويد وصياغة المفهوم السريري للنرجسية
يُعدّ سيجموند فرويد (Sigmund Freud) الأب الروحي للتحليل النفسي، وهو أول من أخرج مفهوم النرجسية (Narcissism) من سياقه الأسطوري والجنسي الضيق ليصوغه كمفهوم سريري وفلسفي محوري في فهم تطور الأنا وعلم النفس المرضي. قبل مقالته الرائدة عام 1914، كان مصطلح النرجسية يُستخدم للإشارة إلى الشذوذ الجنسي المتمثل في اعتبار المرء جسده كهدف جنسي. لكن فرويد حوّل النرجسية إلى مفهوم يصف العلاقة بين الأنا (Ego) والطاقة النفسية (الليبدو)**، معتبرًا إياها مرحلة طبيعية في التطور البشري وأساسًا للعديد من الاضطرابات النفسية.
تهدف هذه المقالة المتعمقة، التي تقترب من ٢٠٠٠ كلمة، إلى تحليل شامل لنظرية فرويد حول النرجسية، وتفكيك مفاهيمه الأساسية مثل النرجسية الأولية والثانوية، وكيف يتشكل النرجسي المرضي في هذا الإطار التحليلي. هذا التحليل ضروري لتقييم التأثير العميق لهذه النظرية على فهمنا الحديث لـ النرجسية بالعربي كاضطراب في الشخصية.
المحور الأول: السياق التاريخي والتعريف الجذري للنرجسية عند فرويد
لم يأتِ مفهوم النرجسية عند فرويد من فراغ، بل ظهر كحل لنقاط ضعف واجهته في نظريته الليبيدية (Libido Theory) وتفسيره للذهان.
١. الحاجة لمفهوم النرجسية (1914):
قبل عام 1914، اعتمد فرويد في تفسير الأمراض النفسية (العُصاب) على نظرية الليبدو الموضوعية (Object Libido)، حيث تتوجه الطاقة النفسية نحو “الموضوع الخارجي” (الآخرين). لكن هذا لم يفسر حالات الذهان (Psychosis)، حيث ينسحب المريض من الواقع والعالم الخارجي.
- حل المشكلة: قدم فرويد النرجسية كآلية يتم فيها سحب الليبدو من الموضوعات الخارجية وإعادة توجيهها نحو الذات (الأنا). هذا التوجه الداخلي هو ما يفسر الانفصال عن الواقع لدى الذهانيين، ويؤكد أن النرجسية هي مرحلة تطورية وأيضًا آلية دفاعية مرضية.
٢. التعريف المحوري: النرجسية كاستثمار لليبد**و:
عرف فرويد النرجسية بأنها “استثمار لليبدو في الأنا”. الطاقة النفسية (الليبدو) تنقسم إلى نوعين:
- الليبدو الأنانية (Ego Libido): وهي الطاقة الموجهة نحو الذات (النرجسية).
- الليبدو الموضوعية (Object Libido): وهي الطاقة الموجهة نحو الآخرين (الموضوعات الخارجية).
يعتقد فرويد أن هناك توازنًا وعلاقة عكسية بين هذين النوعين. كلما زاد استثمار الليبيدو في الذات (النرجسية)، قل استثمارها في الآخرين، والعكس صحيح. هذه العلاقة العكسية هي الأساس الذي تقوم عليه نظرية فرويد في الحب والذهان.
المحور الثاني: مستويات النرجسية – النرجسية الأولية والثانوية
لتمييز الحالة المرضية عن الحالة الطبيعية، قام فرويد بتقسيم مفهوم النرجسية إلى مستويين متتابعين.
١. النرجسية الأولية (Primary Narcissism):
- المرحلة الطبيعية: هي حالة عالمية وفطرية يمر بها جميع الرضع. في هذه المرحلة (التي تسبق مرحلة الحب الموضوعي)، لا يُميز الرضيع بين الذات والعالم الخارجي. يكون الرضيع هو مركز كونه، وتُوجه كل الليبيدو نحو الأنا (Ego).
- وهم الكمال: يعيش الطفل في حالة من وهم الكمال والاكتفاء الذاتي المطلق (Omnipotence and Self-Sufficiency)، حيث يُشبع رغباته ذاتيًا دون الحاجة إلى موضوع خارجي.
- الوظيفة: هذه المرحلة ضرورية لبناء الأنا ككيان نفسي موحد وقوي قبل أن يتمكن من الانخراط في العالم الخارجي.
٢. النرجسية الثانوية (Secondary Narcissism):
- المرحلة المرضية/العصابية: هي حالة يتم فيها سحب الليبدو من الموضوعات الخارجية (التي تم استثمار الليبيدو فيها سابقًا) وإعادتها إلى الأنا.
- آلية الدفاع/المرض: هذا السحب يمثل آلية دفاعية في حالات الفشل، خيبة الأمل، أو المرض النفسي (كالذهان). على سبيل المثال، إذا شعر الشخص بالرفض من موضوع حبه، قد يسحب الليبيدو المُستثمرة في ذلك الموضوع ويعيد توجيهها إلى ذاته، مما يؤدي إلى تضخم الأنا مرة أخرى.
- الخطر: إذا كانت النرجسية الثانوية دائمة ومبالغ فيها، فإنها تعيق القدرة على تكوين علاقات حب وعاطفة ناضجة وواقعية، وتؤدي إلى الاضطراب النرجسي المرضي.
المحور الثالث: النرجسية والحياة العاطفية (الحب والاختيار الموضوعي)
ربط فرويد النرجسية ارتباطًا وثيقًا بكيفية اختيار الفرد لشريكه العاطفي.
١. الاختيار الموضوعي (Object Choice) والنماذج:
قدم فرويد طريقتين رئيسيتين لاختيار الموضوع (الشريك):
- الاختيار الموضوعي النرجسي (Narcissistic Object Choice): يختار الفرد شريكًا يشبه ذاته (كما هي أو كما كانت في الماضي)، أو يشبه ما يود أن يكون عليه (مثله الأعلى). هذا النوع من الحب هو في الحقيقة حب للذات يتم إسقاطه على الموضوع الخارجي. هذا هو النمط السائد لدى النرجسي المرضي، حيث يكون الهدف من العلاقة هو الحصول على تأكيد لقيمة الذات وليس العطاء المتبادل.
- الاختيار الموضوعي الساند (Anaclitic/Attachment Object Choice): يختار الفرد شريكًا يشبه الشخصيات التي قدمت له الرعاية والدعم في الطفولة (الأم أو الأب)، بهدف الحصول على الأمان والرعاية. هذا هو النمط الأكثر نضجًا وصحة.
٢. الحب النرجسي مقابل الحب المتبادل:
- الخطر النرجسي: الشخص الذي يبقى حبيس النمط النرجسي في اختيار الموضوع (أي يسعى دائمًا إلى إيجاد انعكاس لذاته) يجد صعوبة بالغة في تكوين علاقات ناضجة قائمة على التعاطف والتبادل. حبه دائمًا مشروط بتأكيد الذات.
- الجسر: يتطلب الانتقال إلى الحب الموضوعي الناضج (الساند) أن يتخلى الفرد جزئيًا عن وهم الكمال النرجسي الأولي، ويستثمر جزءًا كبيرًا من طاقته النفسية (الليبد**و) في الآخرين.
المحور الرابع: النرجسية والمُثل الأعلى (The Ego Ideal)
أدخل فرويد مفهوم “المثل الأعلى للأنا” (Ego Ideal) لشرح كيف يحافظ الفرد على وهم الكمال الذاتي حتى بعد التخلي عن النرجسية الأولية.
١. نشأة المثل الأعلى للأنا:
- الإحلال: مع نمو الطفل وتخليه عن وهم الكمال النرجسي الأولي (لأنه يصطدم بالواقع وبقوة الوالدين)، يتم إحلال هذا الكمال المُتخلى عنه في صورة “المثل الأعلى للأنا”.
- الوظيفة: يصبح المثل الأعلى للأنا بمثابة معيار داخلي يسعى الفرد جاهداً لتحقيقه ليُشعر نفسه بأنه “كامل” و”جيد” ويستحق الحب.
٢. الرقيب (Superego) والنرجسي:
في مراحل لاحقة من عمله، ربط فرويد المثل الأعلى للأنا بـ الـ “الأنا الأعلى” (Superego)، وهو الضمير أو الرقيب الداخلي.
- الرقابة الذاتية: عندما يفشل الفرد في تحقيق المثل الأعلى للأنا، يبدأ الرقيب الداخلي في نقده ومعاقبته (الشعور بالذنب أو الخجل).
- النرجسي المريض: النرجسي المرضي هو شخص إما أنه لم يطور مثلًا أعلى واقعيًا (مما يُبقي على وهم العظمة الأولية)، أو أنه يستخدم المثل الأعلى بطريقة مبالغ فيها لفرض معاييره على الآخرين (الإسقاط واللوم).
المحور الخامس: الخصائص السريرية للنرجسية المرضية (في إطار فرويد)
يستطيع إطار فرويد التحليلي تفسير العديد من السلوكيات التي نربطها اليوم بـ النرجسي المرضي:
١. تضخم الأنا (Grandiosity):
- المنشأ: الشعور النرجسي بالعظمة المبالغ فيه ينبع من بقايا النرجسية الأولية التي لم يتم التخلي عنها بالكامل. النرجسي المرضي لم يتمكن من تحويل طاقة “الكمال المطلق” إلى مثل أعلى واقعي، لذا يعيش في وهم التفوق.
٢. الهشاشة والحساسية للنقد:
- المنشأ: على الرغم من العظمة الظاهرة، فإن الأنا النرجسية هشة وضعيفة. أي نقد أو فشل يُهدد وهم الكمال، مما يؤدي إلى ردود فعل مبالغ فيها من الغضب النرجسي أو الإذلال. هذا يُفسر الحاجة المُلحة لـ النرجسي للحصول على الوقود النرجسي (الإعجاب) كتعزيز خارجي مستمر لوهم الذات.
٣. الفشل في الحب الموضوعي:
- المنشأ: بما أن النرجسي يعتمد على النمط النرجسي في اختيار الموضوع (أي حب انعكاس ذاته)، فإنه يفشل في التعاطف مع الآخرين أو رؤيتهم ككيانات منفصلة عن احتياجاته. هذا يؤدي إلى الاستغلال (Exploitation)، حيث تُستخدم الضحية كمصدر لإشباع الحاجة العاطفية والتحقق من الذات.
المحور السادس: النرجسية وتأثيرها على مسار التحليل النفسي
إن إطار فرويد لم يفسر النرجسية فحسب، بل أثر أيضًا على ممارسة التحليل النفسي نفسه.
١. مقاومة التحليل:
- النرجسي غالبًا ما يُظهر مقاومة شديدة للتحليل. ويرجع ذلك إلى أن التحليل يهدف إلى كشف وإضعاف وهم العظمة، وهو ما يُعتبر تهديدًا وجوديًا للأنا النرجسية.
٢. النقل النرجسي (Narcissistic Transference):
- النقل (Transference) هو عملية تحويل المشاعر والأحاسيس التي كانت موجهة لشخصيات الطفولة (الوالدين) إلى المحلل. في حالة النرجسي، قد يتخذ هذا النقل شكلين رئيسيين (وهو ما طوره كوهوت لاحقًا):
- النقل المثالي (Idealizing Transference): حيث يرى النرجسي المحلل على أنه كامل وقوي (كبديل للوالد المثالي).
- النقل المرآتي (Mirror Transference): حيث يتوقع النرجسي من المحلل أن يعكس ويعزز عظمته وكماله الذاتي.
الخلاصة: الإرث الفرويدي للنرجسية
وضع سيجموند فرويد الأساس النظري للنرجسية كظاهرة تتجاوز الشذوذ الجنسي، لتشمل الجوانب الأساسية لتطور الأنا وعلم النفس المرضي. لقد ساعد مفهومه عن النرجسية الأولية** والثانوية في فهم كيف يمكن أن يكون حب الذات ظاهرة طبيعية ضرورية (الأولية)، وكيف يمكن أن يتحول إلى اضطراب مدمر (الثانوية) يعيق الحب الحقيقي والعلاقات الصحية.
تظل نظرية فرويد حجر الزاوية في فهم النرجسية حتى يومنا هذا، حيث وفرت المفاهيم الأساسية التي استند إليها علماء النفس اللاحقون (مثل كوهوت وكيرنبيرغ) لتطوير النظريات السريرية المعاصرة حول اضطراب الشخصية النرجسية. إن فهم النرجسية في إطارها الفرويدي هو خطوة أساسية لفهم أعمق لأي تحليل نفسي أو سلوكي لـ النرجسية بالعربي.
لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

اترك تعليقاً