النرجسية في المسيحية

النرجسية في المنظور المسيحي: خطيئة الكبر وعبادة “الأنا” (دراسة متعمقة في النرجسية بالعربي)


المقدمة: الأنا المتضخمة ومفهوم الخطيئة

تُعدّ النرجسية اضطرابًا نفسيًا في العصر الحديث، لكن الكنيسة والمسيحية عامةً عالجت جذورها على مر العصور من خلال مفاهيم روحية وأخلاقية عميقة. في الإيمان المسيحي، لا يُنظر إلى النرجسية على أنها مجرد خلل في الشخصية، بل تُرجمت سلوكياتها وصفاتها الجوهرية (التعالي، حب الذات المفرط، الافتقار إلى التعاطف، البحث عن المجد البشري) على أنها تجليات لـ “خطيئة الكبرياء” (Pride)، والتي تُعتبر رأس الخطايا السبع المميتة.


المحور الأول: الكبرياء – أساس النرجسية في اللاهوت المسيحي

يُعدّ الكبرياء (Pride) هو الصفة الروحية التي تتطابق بشكل مباشر مع جوهر النرجسية، لكونها تمثل حب الذات المفرط الذي يُعلي الإنسان فوق الخالق والمخلوق.

١. الكبرياء كأصل السقوط الإنساني:

  • خطيئة الشيطان: في التراث المسيحي، يُنظر إلى سقوط الشيطان (لوسيفر) على أنه نابع من الكبرياء: رفضه الخضوع لله ورغبته في معادلة الخالق أو التفوق عليه. هذا يمثل الذروة الروحية لـ النرجسية، حيث يسعى المخلوق لفرض إرادته الذاتية على النظام الإلهي.
    • الاستدلال الكتابي: (إشعياء ١٤: ١٢-١٤) يتحدث عن محاولة الشيطان “الصعود إلى السموات” و”جعل نفسه مثل العلي”، وهي لغة تجسد الشعور النرجسي بالعظمة المطلقة.
  • سقوط آدم وحواء: الكبرياء هو أيضًا الدافع وراء خطيئة آدم وحواء؛ إذ وُعدا بأن أكلهما من الشجرة سيجعلهما “مثل الله” عارفين الخير والشر (تكوين ٣: ٥). الرغبة في معادلة الخالق هي الجوهر الروحي للنرجسي الذي يرى نفسه مركز الكون.

٢. خطيئة الكبرياء (Pride) وعلاقتها بالذات النرجسية:

الكبرياء في المسيحية يعني الاعتماد المطلق على الذات، ورفض الاعتراف بالنعمة الإلهية أو الحاجة إليها:

  • الاعتماد على الذات النرجسية: النرجسي يرى نجاحاته وإنجازاته نابعة من تفوقه المطلق، رافضًا نسب الفضل إلى أي قوة خارجية (بشرية أو إلهية). هذا يتناقض مع الإيمان المسيحي بأن كل نعمة وموهبة تأتي من الله (يعقوب ١: ١٧).
  • رفض النقد: الكبرياء يمنع النرجسي من الاعتراف بالخطأ أو طلب الغفران، لأنه يرى نفسه كاملاً ولا يحتاج إلى توبة.

المحور الثاني: تناقض النرجسية مع وصية المحبة والتعاطف

تُعتبر المحبة (أغابي – المحبة غير المشروطة) هي الوصية الأعظم في المسيحية. وتتناقض النرجسية بشكل مباشر مع هذه الوصية في كل أبعادها.

١. محبة القريب وتجلياتها (الافتقار للتعاطف):

وصية المحبة تلزم المسيحي بـ “أن تحب قريبك كنفسك”.

  • المركزية الذاتية: النرجسي لا يستطيع أن يحب القريب كنفسه، لأنه يرى القريب على أنه أداة لخدمة نفسه، أو منافس يجب التغلب عليه.
  • التعاطف الروحي: المحبة المسيحية تتطلب التعاطف الفعلي مع آلام واحتياجات الآخرين. النرجسي يفتقر إلى هذا التعاطف (Lack of Empathy)، وبالتالي لا يستطيع ممارسة المحبة الحقيقية التي لا تطلب مجداً ذاتياً بل تسعى لمصلحة الآخر.
    • الاستدلال الكتابي: (رسالة كورنثوس الأولى ١٣: ٤-٧) يصف المحبة بأنها: “لا تحسد، ولا تتفاخر، ولا تنتفخ…” (صفات مناقضة للنرجسية)، و “لا تطلب ما لنفسها” (وهو النقيض المطلق للجوهر النرجسي القائم على الاستغلال).

٢. الرياء (Vanity) والبحث عن مجد الناس:

تُركز التعاليم المسيحية على أن العمل الصالح يجب أن يتم بإخلاص لله، وليس لـ رياء الناس أو مدحهم.

  • عبادة المظهر:النرجسي يهدف إلى الحصول على الوقود النرجسي (الإعجاب)، والذي يُقابله في المسيحية “المجد البشري” أو الرياء. يسوع المسيح حذر بشدة من هذا السلوك:
    • المرجع: (إنجيل متى ٦: ١-٥) يحذر من الذين يقومون بأعمال البر “لكي يراهم الناس”، ويؤكد أن هؤلاء “قد استوفوا أجرهم” في الدنيا.
    • الاستدلال: هذا التحذير يُدان بشدة سلوك النرجسي الذي لا يمتلك دافعاً داخلياً للخير إلا إذا كان سيجلب له الإطراء الخارجي.

المحور الثالث: التلاعب النرجسي في ضوء الأخلاق المسيحية

تكتيكات النرجسي للتلاعب والسيطرة على الضحية تُعتبر خطايا أخلاقية مباشرة تتعارض مع الفضائل التي تدعو إليها المسيحية.

١. الغش والكذب (Gaslighting):

  • تغيير الواقع: تكتيك الغاسلايتينغ النرجسي يهدف إلى تشويه واقع الضحية وجعلها تشك في عقلها. هذا السلوك يتناقض مع مفهوم الحقيقة والصدق المسيحي.
    • المرجع: (كولوسي ٣: ٩) يحث على: “لا تكذبوا بعضكم على بعض، إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله”. الكذب هو سمة من سمات الإنسان القديم الذي لم يتجدد.
  • الاستغلال والظلم: العلاقة النرجسية هي علاقة استغلال وظلم؛ حيث تُستخدم الضحية كأداة. المسيحية تُدين الظلم بشدة وتُطالب بالعدل والمساواة في المعاملة.

٢. الإدانة واللوم (Judgment and Blame):

  • الإسقاط النرجسي: يستخدم النرجسي اللوم والإسقاط (Projection) لكي لا يتحمل المسؤولية.
  • تحريم الإدانة: المسيحية تحذر من إدانة الآخرين وحكمهم، حيث أن الحكم لله وحده، وتحث على التركيز على إصلاح الذات أولاً:
    • المرجع: (إنجيل متى ٧: ١-٥): “لا تدينوا لكي لا تدانوا. ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها؟” هذا يمثل رفضًا قاطعًا لسلوك النرجسي الذي يركز على عيوب الآخرين مع تجاهل عيوبه الكبيرة.

المحور الرابع: العلاج الروحي – التوبة والتواضع كبديل للنرجسية

العلاج الذي تقدمه المسيحية لصفات النرجسية هو طريق التوبة الجذري والتحول الداخلي نحو فضيلة التواضع (Humility).

١. التوبة وموت “الأنا”:

  • التوبة الجذرية: تتطلب التوبة (الميتانويا) الاعتراف بالخطيئة والكبرياء. هذا يعني “موت الأنا” (موت الذات النرجسية) والاعتراف بالحاجة إلى المعونة الإلهية. لا يمكن للنرجسي أن يتوب طالما يرفض الاعتراف بالخطأ.
  • النموذج المسيحي: النموذج الأعلى للتواضع هو يسوع المسيح نفسه، الذي “أخلى نفسه آخذاً صورة عبد” (فيلبي ٢: ٥-٨). يُطلب من المؤمنين أن يتخذوا هذه الروح المتواضعة نموذجًا لحياتهم.

٢. التواضع – فضيلة الخلاص:

التواضع ليس ضعفًا في المسيحية، بل هو قوة روحية تفتح الإنسان على نعمة الله.

  • المرجع: (يعقوب ٤: ٦): “الله يقاوم المستكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة”.
  • التأثير الإيجابي: التواضع يُحرر المؤمن من الحاجة المُلحة للبحث عن الإعجاب الخارجي، مما يسمح له بالتركيز على محبة وخدمة الآخرين بإخلاص.

٣. الوداعة (Meekness) والصبر (Patience):

فضائل مثل الوداعة والصبر هي نقيض الغضب النرجسي والانفجارات العاطفية التي يستخدمها النرجسي للسيطرة. الوداعة تعني القوة تحت السيطرة، أي استخدام القوة الروحية في الصبر والهدوء، وليس في الهيمنة والسيطرة على الآخرين.


المحور الخامس: النرجسية بالعربي في سياق العائلة والكنيسة

في سياق المجتمعات المسيحية الناطقة بالعربية، قد تأخذ مظاهر النرجسية أبعادًا اجتماعية ودينية إضافية:

  • سلطة “الرأس” الأبوي: في بعض التفسيرات الثقافية لسلطة الأب أو الزوج (كرأس للأسرة)، قد يستغل النرجسي هذا الدور لتبرير السيطرة المطلقة والإساءة العاطفية، مدعيًا أن أفعاله هي “باسم النظام” أو “باسم السلطة الممنوحة له إلهيًا”، مما يفاقم معاناة الضحية.
  • نرجسية الخدمة: قد يستخدم بعض الأشخاص الأنشطة الكنسية أو الخدمة الدينية كـ وقود نرجسي، حيث يصبح هدف الخدمة هو الإعجاب من المجتمع الكنسي أو الحصول على مكانة أو لقب، بدلاً من إخلاص المحبة. هذا يُعتبر رياءً روحيًا خطيرًا.
  • الاستغلال الروحي للضحية: قد يُستخدم مفهوم “المحبة غير المشروطة” و “الغفران” المسيحي للضغط على الضحية لـ “تحمل” الإساءة النرجسية، وإقناعها بأن واجبها الديني هو “محبة” و “مسامحة” النرجسي مرارًا وتكرارًا، مما يجعله يستمر في الإساءة دون عواقب.

الخلاصة: عودة إلى المحبة الحقيقية

تُظهر دراسة النرجسية في المسيحية أنها ليست مجرد سلوك غير مرغوب فيه، بل هي تجلٍ عميق لخطيئة الكبرياء وعبادة “الأنا”، التي تُناقض جوهر الإيمان. تُعلم المسيحية أن الحب الحقيقي هو العطاء غير المشروط والتواضع والتعاطف، وهي كلها صفات لا يمكن للنرجسي أن يمتلكها دون تحول جذري.

الخلاص من هذه الصفات يكمن في التوبة، وطلب النعمة لتموت “الأنا” المتضخمة، واستبدال الكبرياء بفضيلة التواضع التي تُعلي قيمة الآخر وتُرَكِّز على محبة الله والقريب. التحرر من قبضة النرجسية، سواء كمرض ذاتي أو كإساءة من الآخرين، يبدأ بالاعتراف بأن الحب الحقيقي يستحيل أن يزدهر في غياب التواضع والتعاطف.

شارك هذه المقالة

لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *