الهدوء الذي يسبق العاصفة: متى تكون الزوجة النرجسية مطيعة ومسالمة ولا تسعى وراء المشاكل؟

لغز السلام النرجسي

في العلاقات الطبيعية، يكون الهدوء والوئام نتيجة للتفاهم والاحترام المتبادل. أما في سياق النرجسية بالعربي، وتحديداً عند التعامل مع الزوجة النرجسية، فإن “السلام” نادراً ما يكون نابعاً من رغبة صادقة في الاستقرار. يجد الزوج نفسه أحياناً أمام تحول مفاجئ؛ زوجة كانت مصدر نكد وضغط، أصبحت فجأة مطيعة، مسالمة، وهادئة.

هذا التحول يثير تساؤلات مربكة: هل تغيرت حقاً؟ هل بدأت تشعر بقيمتي؟ الحقيقة السيكولوجية تشير إلى أن الهدوء لدى الشخص النرجسي (Narcissist) هو تكتيك وظيفي وليس تغييراً في الشخصية. هذه المقالة المتعمقة تحلل الحالات التي تلبس فيها الزوجة النرجسية قناع “الزوجة المثالية”، والأهداف الخفية وراء هذا السكون المريب.


المحور الأول: مرحلة “القصف العاطفي” المتجدد (Hoovering)

أشهر الحالات التي تظهر فيها الزوجة النرجسية بمظهر المطيعة هي عندما تشعر بتهديد حقيقي بفقدان الشريك، وهو ما يُعرف بـ “التحويم” (Hoovering).

  1. استعادة السيطرة: إذا قرر الزوج الانفصال أو بدأ في تطبيق الابتعاد التام (No Contact) النفسي، تدرك الزوجة أن مصدر الوقود النرجسي (Narcissistic Supply) في خطر. هنا، تعود لتمثيل دور “الزوجة المطيعة” التي عرفها في البداية لتسحبه مرة أخرى إلى الفخ.
  2. الاعترافات الكاذبة: قد تعترف ببعض أخطائها (بشكل سطحي) وتعد بالتغيير، وتظهر طاعة غير مسبوقة لتثبت له أن “المشكلة انتهت”، بمجرد أن يطمئن الزوج ويعود للسيطرة، تسقط الأقنعة وتعود المشاكل بحدة أكبر.

المحور الثاني: الخوف من “الفضيحة” الاجتماعية

تعتبر الزوجة النرجسية صورتها أمام المجتمع هي أثمن ما تملك. تكون مسالمة ومطيعة جداً في الحالات التالية:

  • وجود شهود مؤثرين: عند وجود ضيوف، أو زيارة أهل الزوج الذين تخشى حكمهم، أو في المناسبات العامة. هنا، تؤدي دور الزوجة الصالحة ببراعة لتكسب تأييد المحيطين، مما يجعل شكوى الزوج منها لاحقاً تبدو “غير منطقية” (وهو نوع من الغاسلايتينغ الاجتماعي).
  • تحقيق مصلحة كبرى: إذا كانت تسعى وراء هدف مادي كبير (شراء عقار، سفر، منصب معين)، ستستخدم “الطاعة” كمقايضة. هي تشتري صمتك وتأييدك بسلوكها المسالم حتى تحصل على ما تريد.

المحور الثالث: الحصول على “وقود” جديد أو خارجي

تكون الزوجة النرجسية هادئة جداً داخل البيت عندما يكون خزان وقودها ممتلئاً من مصدر آخر.

  1. النجاح الخارجي: إذا كانت تحقق نجاحاً باهراً في عملها أو تحصل على مديح هائل من دائرة أصدقائها، قد لا تجد حاجة لاستنزاف الزوج في تلك الفترة. الهدوء هنا ليس حباً في الزوج، بل لأنها “مكتفية” مؤقتاً بالوقود الخارجي.
  2. المصادر الجديدة للوقود: (في حالات الخيانة أو العلاقات الجانبية) تكون الزوجة مطيعة وهادئة لتغطي على سلوكها الخارجي ولتجنب إثارة شكوك الزوج. الهدوء هنا هو “ستار دخاني” للتمويه.

المحور الرابع: التفسير البيولوجي – السكون التكتيكي

التعامل مع الإجهاد المزمن في العلاقة النرجسية يؤثر على الجهاز العصبي للطرفين.

  • استراتيجية التوفير: حتى النرجسي يحتاج أحياناً لفترة “بيات شتوي” لإعادة شحن طاقته التدميرية. الهدوء هنا هو فترة راحة لجسدها وعقلها قبل جولة جديدة من التقليل من الشأن (Devaluation).
  • إدارة هرمونات الإجهاد: عندما تلاحظ أن الزوج وصل لنقطة “الانهيار الجسدي” أو مرض بالفعل (بسبب ارتفاع الكورتيزول المستمر)، قد تتوقف عن الضغط مؤقتاً. ليس رحمة به، بل لأن الضحية المحطمة تماماً لا تعطي وقوداً جيداً؛ هي تحتاجه حياً وقوياً بما يكفي ليشعر بالألم لاحقاً.

المحور الخامس: تكتيك “الهدوء المسموم” – الغاسلايتينغ الصامت

أحياناً تكون مطيعة ومسالمة لتجعلك تشعر بأنك أنت “المشكلة”:

  1. قلب الأدوار: عندما تكون هي “الملاك الهادئ” وأنت الشخص المتوتر (بسبب تراكمات سنوات من الإساءة)، ستقول للآخرين ولنفسك: “أنظروا، أنا أحاول إرضاءه وهو لا يتوقف عن الغضب”.
  2. زرع الشك الذاتي: هذا الهدوء المصطنع يجعلك تعاني من الاجترار العقلي: “ربما ظلمتها؟ ربما أنا السبب في مشاكلنا؟”. هذا الشك هو أسرع طريق لتدمير تقدير الذات لديك.

كيف تتعامل مع هذا الهدوء؟ (نصائح للتعافي)

إذا كانت زوجتك النرجسية تمر بفترة “سلام”، إليك كيفية حماية نفسك:

  • لا تفتح حصونك: استمتع بالهدوء لكن لا تظن أن الاضطراب قد زال. حافظ على الحدود الصارمة (Boundaries).
  • التوثيق الذاتي: تذكر دائماً مراحل الإساءة السابقة. لا تدع “القصف العاطفي” المتجدد يمسح ذاكرتك (تجنب الذاكرة المشوهة).
  • التركيز على الشفاء من C-PTSD: استغل فترات الهدوء هذه للعمل على صحتك النفسية، تقوية علاقتك بأصدقائك، والبحث عن دعم متخصص في علاج الصدمة.
  • تطبيق “اللون الرمادي” المستمر: لا تعطها معلومات حساسة عن نقاط ضعفك حتى وهي في قمة طاعتها؛ لأنها ستستخدم هذه المعلومات كسلاح ضاري في المشاجرة القادمة.

الخلاصة: الهدوء هو وسيلة وليس غاية

الزوجة النرجسية لا تكون مطيعة لأنها أدركت خطأها، بل لأن الظروف الحالية تقتضي منها ارتداء هذا القناع لتحقيق مصلحة، أو استعادة سيطرة، أو تجنب خسارة. الهدوء النرجسي هو “هدوء تكتيكي” يخدم الذات الزائفة.

فهمك لهذه الديناميكية يحميك من صدمة الترابط المتجددة ويجعلك تتحكم في ردود أفعالك، بدلاً من أن تكون مجرد رد فعل لتقلبات قناعها.

شارك هذه المقالة

لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *