حلقة العودة القسرية: هل يعود النرجسي دائماً بعد قرار الانفصال؟ وما الهدف؟ (التحويم النرجسي وتثبيت السيطرة في النرجسية بالعربي)

الانفصال كـ “تهديد مؤقت”

يُعدّ قرار الانفصال، سواء صدر عن النرجسي (Narcissist) أو عن ضحية النرجسي (Victim of Narcissism)، نادراً ما يكون نهاية القصة. بالنسبة للنرجسي، الانفصال ليس فصلاً عاطفياً؛ بل هو “تهديد مؤقت” لمصدر الوقود النرجسي (Narcissistic Supply) ومخزون السيطرة. هذا التهديد يؤدي إلى تفعيل آلية دفاعية تُعرف بـ “التحويم” (Hoovering)، وهي محاولات واعية وممنهجة لسحب الضحية مجدداً إلى العلاقة أو الدائرة النرجسية. ورغم أن النرجسي قد لا “يعود دائماً” بالمعنى الحرفي للكلمة، إلا أنه يحاول دائماً العودة أو التسلل أو اختبار مدى قدرته على ذلك.


المحور الأول: حتمية المحاولة – هل يعود النرجسي “دائماً”؟

الإجابة المختصرة ليست “دائماً”، ولكن “الإغراء بالمحاولة دائماً موجود”. النرجسي يشعر بحاجة قهرية للعودة أو الاختبار طالما توفرت الشروط التالية:

١. الحاجة الفورية لـ الوقود النرجسي:

  • مبدأ الاستبدال: لا يستطيع النرجسي تحمل فراغ الوقود. إذا لم يكن لديه “مصدر جديد” (New Supply) جاهز ومضمون ليحل محل الضحية فوراً، فإن احتمالية عودته تكون عالية جداً.
  • الوقود السهل: الضحية القديمة تُعدّ أسهل وأسرع مصدر للوقود؛ لأنه يعرف نقاط ضعفها، ومحفزاتها، والكلمات التي تضمن عودتها أو غضبها (كلاهما وقود).

٢. الرغبة في “السيطرة” على نهاية السردية:

  • الإصابة النرجسية: إذا كان الانفصال قد صدر من الضحية (وهو ما يُعتبر إصابة نرجسية)، فإن النرجسي يشعر بالحاجة القهرية للعودة لإثبات أنه هو من “تخلّى” عن الضحية. التحويم هنا يهدف إلى استعادة السيطرة على “النهاية” لضمان أن تبقى روايته هي السائدة: “أنا من رفض، وليس أنا من رُفض.”

٣. التأكيد على القوة و”الخيار المفتوح”:

  • الاختبار: حتى إذا كان النرجسي قد انتقل إلى مصدر جديد، فقد يحاول التحويم لإثبات أن الضحية لا تزال تحت سيطرته الكاملة. نجاح محاولة التحويم يُغذّي عظمته ويُثبت لذاته: “أنا قوي جداً لدرجة أنني أستطيع استعادتها متى شئت.”

المحور الثاني: الهدف الحقيقي من العودة – الأجندة الباردة لـ التحويم

العودة ليست مدفوعة بالندم أو الحب؛ بل هي مدفوعة بأجندة وظيفية وباردة تركز على الاستغلال.

الهدف العاطفي الزائف (الذي يروج له النرجسي)الهدف الوظيفي الحقيقي (الدافع النرجسي)
“أنا نادم/ة وأفتقدك.”تأمين الوقود: القضاء على الفراغ في حياته وشحن ذاته الزائفة.
“لقد تغيرت، ولن أكرر الأخطاء.”استعادة السيطرة: إعادة الضحية إلى دورها السابق كـ “أداة” لإدارة حياته العاطفية والاجتماعية.
“لا يمكنني العيش بدونك.”تجنب المسؤولية: يريد الضحية كـ “كبش فداء” جديد يُسقط عليه أخطاء علاقته الجديدة (إذا كان لديه واحدة).
“دعنا نبدأ من جديد.”الحماية الاجتماعية: استخدام الضحية كـ “واجهة” لضمان أن صورته العامة تبقى مثالية أمام الأصدقاء والعائلة.
“أريد فقط أن أطمئن عليك/تبقينا أصدقاء.”إبقاء الباب مفتوحاً: إبقاء الضحية على “مقعد الاحتياط” (Bench) لضمان مصدر وقود احتياطي في حال فشل المصدر الجديد.

المحور الثالث: أساليب التحويم النرجسي – متى وكيف تحدث العودة؟

تختلف أساليب التحويم التي يستخدمها النرجسي في محاولات العودة حسب مدى نجاح الضحية في تطبيق الابتعاد التام.

١. التحويم الناعم (Soft Hoovering) – العودة الخادعة:

  • متى؟ بعد فترة قصيرة من الانفصال، عندما يكون النرجسي واثقاً من التعلق المُدمر لـ الضحية.
  • الأسلوب: إرسال رسائل بريئة أو عاطفية: “أنا أفكر فيك في هذا اليوم الذي اعتدنا قضاءه معًا.”، “هل أنت بخير؟ لا أستطيع النوم.”، أو الاعتذارات الكاذبة التي يرافقها تعاطف زائف.
  • الهدف: إطلاق جرعة دوبامين صغيرة لدى الضحية لإعادة تفعيل صدمة الترابط وإثارة الاجترار العقلي.

٢. التحويم الدرامي (Dramatic Hoovering) – العودة عبر الأزمة:

  • متى؟ عندما تكون الضحية قد بدأت في التعافي وتطبيق الابتعاد التام.
  • الأسلوب: لعب دور الضحية أو خلق أزمة مفتعلة: “أنا مريض/ة جداً”، “أفكر في الانتحار”، “لقد فقدت وظيفتي”، “لقد تسببوا لي في حادث”.
  • الهدف: استغلال التعاطف المفرط والذنب السام لدى الضحية وإجبارها على كسر الابتعاد التام للقيام بدور “المنقذ”.

٣. التحويم عبر الأطراف الثالثة (Flying Monkeys Hoovering):

  • متى؟ عندما لا يستطيع النرجسي الوصول مباشرة إلى الضحية (حظر الاتصالات).
  • الأسلوب: استخدام الأصدقاء المشتركين، أو العائلة، أو حتى أطفالهما (في سياق النرجسية بالعربي) لإيصال رسائل مُبطنة: “صديقك/عائلتك سألوني عنك، وقالوا لي إنك تبدو حزيناً”، أو “زوجك السابق يطلب مني أن أرى ما إذا كنت بحاجة للمساعدة”.
  • الهدف: اختراق الابتعاد التام بطريقة غير مباشرة وإبقاء الضحية في حالة فرط يقظة.

المحور الرابع: العوامل التي تُزيد من احتمالية نجاح العودة

نجاح النرجسي في التحويم يعتمد بشكل كبير على نقاط ضعف الضحية التي زرعها خلال فترة التدمير البطيء.

١. قوة صدمة الترابط وتذبذب الدوبامين:

  • الخطر: إذا كانت الضحية لا تزال تعاني من أعراض الانسحاب البيولوجي الحاد (القلق، الاكتئاب، الاجترار العقلي)، فإن التحويم الناعم يُصبح مغرياً جداً كـ “جرعة علاج” مؤقتة.

٢. الغاسلايتينغ الداخلي والشك في الذات:

  • الخطر: إذا كانت الضحية لا تزال تعاني من الغاسلايتينغ الداخلي والشك في الذات، فإن عودة النرجسي (خاصة مع عبارة: “أنا آسف”) تُعزز وهماً داخلياً: “ربما كنت أنا المخطئ/ة، وها هو يعود ليثبت لي أنني مهم/ة.”

٣. عدم وجود الابتعاد التام الصلب:

  • الخلل: أي “منفذ” أو قناة اتصال مفتوحة (حتى لو كانت لغرض “اللطف” أو “الاحترافية”) تُعدّ نقطة ضعف يمكن للنرجسي أن يستغلها لتفعيل التحويم.

٤. الفراغ الوجودي وفقدان الهوية:

  • الخطر: إذا لم تنجح الضحية في إعادة بناء فقدان الإحساس بالهوية الذاتية بعد الانفصال، فإن عودة النرجسي تمثل عودة لـ “دورها المألوف” (دور المُضحي/المُنقذ/المُدافع)، مما يملأ الفراغ الوجودي مؤقتاً.

المحور الخامس: استراتيجية الدفاع – بناء سد منيع ضد التحويم

تتطلب مقاومة التحويم إدراكاً حاسماً بأن العودة ليست حباً، بل هي تكرار لدورة التدمير.

١. الابتعاد التام كـ “لا رجعة فيها”:

  • التعريف: تطبيق الابتعاد التام يجب أن يكون عقيدة لا جدال فيها. يجب تذكير الذات أن النرجسي لا يتغير، وأن عودته تعني العودة إلى التوتر المزمن وC-PTSD.

٢. توثيق الرسائل كـ “وقود محروق”:

  • الآلية: إذا فشلت محاولة النرجسي في التواصل، يجب على الضحية توثيق رسائل التحويم ورسائل الرد المحايدة (إذا لزم الأمر)، والنظر إليها كـ “وقود محروق”. هذه الرسائل هي أدلة على مناورات التلاعب، وليست دليلاً على الحب المفقود.

٣. تطبيق اللون الرمادي (Gray Rock) على الأطراف الثالثة:

  • الآلية: عند مواجهة أصدقاء طائرين، يجب الرد بعبارات محايدة وباردة ترفض الجدال أو نقل المعلومات: “هذا أمر خاص بي و به. ليس لدي ما أضيفه.” أو “أنا في حالة جيدة، شكراً لك.” هذا يقطع فعالية التحويم الاجتماعي.

٤. التركيز على البناء الداخلي:

  • التحصين: يجب توجيه الطاقة العاطفية نحو بناء الثقة الأساسية وإعادة بناء الهوية، بدلاً من إهدارها في توقع عودة النرجسي أو الجدال مع صوته الداخلي.

الخلاصة: التحويم ليس حباً؛ بل مناورة

هل يعود النرجسي دائماً بعد قرار الانفصال؟ النرجسي لن يتردد في المحاولة طالما شعر بأن الوقود النرجسي مهدد أو إذا أراد إثبات قوته وسيطرته. التحويم النرجسي ليس دليلاً على الندم أو الحب العميق؛ بل هو مناورة تلاعب باردة تهدف إلى استعادة الضحية كمصدر سهل للوقود ولإدارة نهاية العلاقة بما يخدم ذاته الزائفة.

التحرر الكامل يبدأ بإدراك أن التحويم هو اختبار لقوة الضحية. بالإصرار على الابتعاد التام، وتوثيق الحقائق، ورفض التلاعب بالذنب، يمكن لـ ضحية النرجسي أن تُسقط هذا القناع الزائف وتُثبت لنفسها ولـ النرجسي أن زمن السيطرة قد انتهى في مواجهة النرجسية بالعربي.

شارك هذه المقالة

لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *