العاصفة الداخلية: صعوبة تنظيم العاطفة (Emotional Dysregulation) عند ضحية النرجسي (دراسة متعمقة في النرجسية بالعربي)
المقدمة: تحول المشاعر إلى فوضى
يُعدّ صعوبة تنظيم العاطفة (Emotional Dysregulation)، وهي عدم القدرة على إدارة شدة ومدة التفاعلات العاطفية بشكل فعال، أحد أكثر الآثار تدميراً وديمومة التي تُصيب ضحية النرجسي (Victim of Narcissist) بعد التعرض لعلاقة طويلة الأمد ومُسيئة. تتطلب الحياة العاطفية الصحية القدرة على الشعور بالمشاعر، ومعالجتها، وتهدئتها بشكل ذاتي. لكن النرجسي (Narcissist) يُحوّل هذه العملية إلى فوضى: فهو إما يُنكر مشاعر الضحية (الغاسلايتينغ)، أو يُبالغ في استخدامها (لخلق الدراما)، أو يُعاقب عليها، مما يُعلّم الجهاز العصبي أن المشاعر هي مصدر خطر وليست مجرد معلومات.
تهدف هذه المقالة المتعمقة، التي تقترب من ٢٠٠٠ كلمة، إلى تحليل الجذور العميقة لـ صعوبة تنظيم العاطفة الناتجة عن الإساءة النرجسية. سنقوم بتفكيك الآليات التي من خلالها يُدمّر النرجسي مهارات التهدئة الذاتية، وكيف تتجسد هذه الصعوبة في نوبات غضب، أو اكتئاب، أو انفصال عاطفي، مما يُعقد مسار التعافي. هذا التحليل ضروري لتمكين الأفراد الذين عانوا من النرجسية بالعربي من تحديد هذه المشكلة وبدء عملية استعادة السيطرة على عالمهم الداخلي.
المحور الأول: الجذور البيولوجية والنفسية لصعوبة التنظيم
صعوبة تنظيم العاطفة ليست ضعفًا في الشخصية، بل هي تغيير وظيفي في الجهاز العصبي ناتج عن الصدمة المزمنة.
١. التغيير الهيكلي في الدماغ:
- اللوزة الدماغية (Amygdala): التعرض المستمر للإجهاد والتهديد (الصدمة النرجسية) يُبقي اللوزة الدماغية -مركز الخوف- في حالة فرط نشاط (Hyperactivity). هذا يعني أن ضحية النرجسي تستجيب للمحفزات المحايدة (مثل نبرة صوت مرتفعة قليلاً أو رسالة غير واضحة) بـ رد فعل مبالغ فيه كأنه تهديد حقيقي ووجودي.
- القشرة الجبهية (Prefrontal Cortex): هذه المنطقة مسؤولة عن المنطق وتنظيم العاطفة واتخاذ القرارات. الإجهاد المزمن يُضعف الاتصال بين اللوزة والقشرة الجبهية، مما يجعل الضحية أقل قدرة على استخدام المنطق لتهدئة استجابتها العاطفية.
٢. فقدان مهارة التهدئة الذاتية (Self-Soothing):
- النموذج النرجسي المعطّل: كان النرجسي هو الشخص الوحيد (الخارجي) الذي يُسمح له بتهدئة الضحية بعد نوبة الإساءة (في شكل فتات خبز أو وعود كاذبة). هذا يمنع الضحية من تطوير مهارات التهدئة الذاتية الداخلية.
- الاعتمادية القهرية: عندما يغادر النرجسي، تفقد الضحية ليس فقط شريكًا، بل تفقد “الآلية” التي كانت تعتمد عليها لتنظيم مشاعرها، مما يتركها في حالة فوضى عاطفية مطلقة.
٣. غياب التثبيت (Lack of Validation) كسبب:
- الغاسلايتينغ: عندما يُنكر النرجسي مشاعر الضحية (“أنت حساس جداً”، “أنت تتخيل الغضب”)، فإن الضحية تفقد القدرة على تسمية مشاعرها والاعتراف بها. هذا الفشل في التثبيت الخارجي يُعيق قدرة الضحية على معالجة المشاعر داخليًا.
المحور الثاني: المظاهر السلوكية لـ صعوبة تنظيم العاطفة
تتجلى صعوبة تنظيم العاطفة لدى ضحية النرجسي في ثلاثة أقطاب متناقضة: الغضب، الاكتئاب، والانفصال العاطفي.
١. الغضب المبالغ فيه (Rage and Overreaction):
- الغضب المكبوت: الغضب الذي لم يُسمح لـ الضحية بالتعبير عنه بشكل صحي أثناء العلاقة (خوفًا من انتقام النرجسي) يتراكم.
- التفجر: بعد الانفصال، قد ينفجر هذا الغضب بسبب محفزات بسيطة (Triggers) لا تتناسب مع شدة رد الفعل. هذا الغضب موجه نحو مواقف عادية، ولكنه في جوهره موجه نحو النرجسي والظلم الذي تعرضت له.
- التعبير: قد يتمثل في الصراخ، أو تدمير الأشياء، أو نوبات بكاء لا يمكن السيطرة عليها.
٢. الاكتئاب واليأس (Depression and Hopelessness):
- الانسحاب العاطفي: عندما تُصبح المشاعر مرهقة للغاية، قد تنسحب الضحية عاطفيًا (تجميد الاستجابة). هذا يظهر كـ اكتئاب أو لامبالاة (Apathy).
- الشعور بالفراغ: قد تشعر الضحية بأنها “فارغة” أو غير قادرة على الشعور بالفرح أو الحماس. هذا الشعور ناتج عن استنزاف الجهاز العاطفي.
٣. الانفصال والتباعد (Dissociation and Numbing):
- التباعد كآلية دفاع: عندما تصبح الصدمة شديدة للغاية، يلجأ العقل إلى الانفصال العاطفي كآلية دفاع بدائية.
- العلامات: قد تشعر الضحية بأنها “خارج جسدها”، أو أن العالم يبدو “ضبابيًا” و”غير واقعي”، أو تجد صعوبة في تذكر تفاصيل مهمة (وهي علامات قوية لـ C-PTSD).
المحور الثالث: تأثير صعوبة التنظيم على التعافي والعلاقات
صعوبة تنظيم العاطفة ليست مجرد عرض، بل هي عائق رئيسي أمام التحرر من قبضة النرجسية وإعادة بناء الحياة.
١. إعاقة وضع الحدود (Impaired Boundary Setting):
- الخضوع العاطفي: عدم القدرة على إدارة المشاعر تجعل الضحية تخشى المواجهة، وبالتالي تفشل في وضع حدود صحية خوفًا من رد الفعل العنيف (سواء من النرجسي أو الآخرين).
- التعبير غير الفعال: عندما تحاول الضحية التعبير عن حدودها، فإنها قد تفعل ذلك بغضب مبالغ فيه (نتيجة صعوبة التنظيم)، مما يجعل الآخرين يتجاهلون رسالتها ويركزون على رد فعلها.
٢. ضعف الحكم على العلاقات الجديدة:
- الاندفاع أو التجنب: قد تندفع الضحية بسرعة في علاقات جديدة (للبحث عن مصدر خارجي للتنظيم/الأمان)، أو تتجنب العلاقات تماماً خوفاً من الفوضى العاطفية التي قد تُسببها.
- تكرار الصدمة: قد يفسر دماغ الضحية الشريك الصحي والهادئ على أنه ممل، وتنجذب لا شعوريًا إلى الشريك الذي يُقدم “الإثارة” (الدراما العاطفية) لأنه يتناسب مع النمط القديم لصعوبة التنظيم.
٣. إدامة دورة الاجترار العقلي:
- الاجترار: المشاعر غير المُعالجة تُغذّي الاجترار العقلي (Rumination)، حيث يُعيد العقل تشغيل الأحداث مراراً وتكراراً في محاولة يائسة لمعالجة الألم المكبوت. وهذا يُبقي على الجهاز العصبي في حالة تأهب دائمة.
المحور الرابع: استراتيجيات التعافي – إعادة برمجة العقل والجسد
يتطلب علاج صعوبة تنظيم العاطفة نهجًا تكامليًا يجمع بين العمل المعرفي والجسدي.
١. التسمية والتحقق (Name It to Tame It):
- الخطوة الأولى: تعليم الضحية تسمية ما تشعر به بدقة (هذا ليس مجرد قلق، هذا “خوف من الهجر”).
- التثبيت الذاتي (Self-Validation): يجب على الضحية أن تُمارس الاعتراف بمشاعرها: “أنا غاضب الآن، وهذا الغضب مبرر بسبب ما مررت به. هذا الشعور حقيقي.” هذا عكس الغاسلايتينغ.
٢. العلاج السلوكي الجدلي (DBT) ومهارات التنظيم:
- التركيز على المهارات: يُعدّ DBT (Dialectical Behavior Therapy) فعالاً بشكل خاص في علاج C-PTSD وصعوبة التنظيم.
- المهارات الأساسية: يتم تدريب الضحية على مهارات الوعي الذهني (Mindfulness)، والتحمل الضيق (Distress Tolerance)، وتنظيم العاطفة لإدارة التفاعلات العاطفية القوية دون الانهيار أو التصرف بتهور.
٣. التهدئة الجسدية (Somatic Regulation):
- التنفس العميق واليوجا: لتهدئة اللوزة الدماغية.
- الـ “تثبيت” الجسدي: استخدام الحواس (التركيز على شيء بارد، أو التركيز على خمسة أشياء في الغرفة) لإعادة العقل إلى اللحظة الحالية وكسر حلقة الانفصال أو الغضب.
المحور الخامس: صعوبة التنظيم في سياق النرجسية بالعربي
تزيد العوامل الاجتماعية من الضغط على الضحية لعدم إظهار صعوبة التنظيم العاطفي.
١. الحكم الاجتماعي على الغضب:
في الثقافة التي قد لا يُسمح فيها بالتعبير عن الغضب (خاصة للمرأة)، تُضطر الضحية لكبت غضبها الناتج عن الإساءة النرجسية، مما يؤدي إلى تفجره لاحقاً بشكل غير مناسب أو توجيهه نحو الذات (اكتئاب).
٢. تحدي التعبير عن الحاجة:
قد تجد الضحية صعوبة في التعبير عن حاجتها للدعم (نتيجة التخويف النرجسي)، مما يزيد من عزلتها ويُبقيها بلا مساعدة في مواجهة عاصفتها العاطفية.
الخلاصة: إعادة توصيل الدوائر العاطفية
صعوبة تنظيم العاطفة (Emotional Dysregulation) هي التكلفة البيولوجية للعيش مع النرجسي؛ حيث يتم تدمير نظام التهدئة الذاتية. هذه الصعوبة ليست ضعفًا، بل هي دليل على أن الجهاز العصبي قد تم تدريبه على الخطر.
التعافي يتطلب جهداً واعيًا لـ إعادة توصيل الدوائر العاطفية للضحية، عبر التثبيت الذاتي، وتعلم مهارات DBT، وتهدئة اللوزة الدماغية المُفرطة النشاط. ببطء، يمكن لضحية النرجسي أن تُعيد بناء إحساسها بالاستقرار الداخلي، وتتعلم أن المشاعر هي معلومات يمكن إدارتها، وليس عواصف تدميرية.
لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

اترك تعليقاً