الخلط الشائع – الحدود الفاصلة بين الصحة والمرض
يُعدّ الخلط بين الثقة بالنفس (Self-Confidence) واضطراب الشخصية النرجسية (Narcissistic Personality Disorder – NPD) من أكثر المفاهيم شيوعاً وإرباكاً في الوعي العام. ففي كلتا الحالتين، يظهر الفرد إحساساً بالقوة، والتعبير الجريء عن الذات، وعدم التردد. ومع ذلك، فإن الفرق بين الحالتين جوهري ووجودي: الثقة بالنفس هي سمة صحية ومتوازنة ومتجذرة في الواقع والرحمة، بينما النرجسية هي اضطراب مرضي متجذر في الهشاشة، والوهم، والافتقار للتعاطف.
المحور الأول: التعريف والأبعاد الجوهرية
يختلف تعريف كل من الثقة بالنفس واضطراب النرجسية في مصدرهما ودوافعهما النهائية.
١. الثقة بالنفس (Self-Confidence) – الجذور الصحية:
- التعريف الجوهري: الثقة بالنفس هي اعتقاد واقعي ومُتوازن في قدرات الفرد وقيمته الذاتية. إنها تنبع من الخبرة الداخلية للإنجازات، والتعلم من الأخطاء، والقبول غير المشروط للذات.
- المصدر: الثقة بالنفس تنبع من “الذات الحقيقية” (Authentic Self). هي ثابتة ولا تتطلب تأكيداً خارجياً مستمراً.
- التأثير على الآخرين: الشخص الواثق من نفسه لا يحتاج إلى تدمير الآخرين ليُشعِر ذاته بالقيمة. بل يشجع الآخرين ويتقبل النقد البناء.
٢. اضطراب النرجسية (NPD) – الجذور المرضية:
- التعريف الجوهري: النرجسية هي وهم العظمة والشعور المبالغ فيه بالاستحقاق، المتجذر في هشاشة داخلية عميقة وانخفاض في تقدير الذات (كما يرى كوهوت وكيرنبيرغ).
- المصدر: النرجسية تنبع من “الذات الزائفة” (False Self) التي تم بناؤها كدرع ضد الشعور العميق بالنقص والضعف. هي متغيرة وتعتمد كلياً على الوقود النرجسي (Narcissistic Supply) الخارجي.
- التأثير على الآخرين: النرجسي يحتاج إلى تدمير أو استغلال الآخرين ليُشعِر ذاته بالقيمة. رؤية الآخرين أقل منه هي شرط لبقائه النفسي.
المحور الثاني: ميزان المقارنة – الدوافع، التعاطف، والنقد
يمكن وضع الفروق بين الظاهرتين في ثلاثة محاور سلوكية رئيسية تكشف عن الجوهر الداخلي لكل منهما.
١. الحاجة إلى التأكيد الخارجي (Fuel Dependency):
| الميزة | الثقة بالنفس | النرجسي |
| مصدر القيمة | داخلي ومستقر. لا يتأثر بالمديح أو النقد المؤقت. | خارجي وغير مستقر. يعتمد على الوقود النرجسي (الإعجاب أو الدراما). |
| رد الفعل على المديح | يقبله بلطف وامتنان، ثم يمضي قدماً. | يشعر بالاستحقاق، ويطلبه بلهفة، ويتوقع المزيد. |
| رد الفعل على التجاهل | يعتبره معلومة محايدة ولا يؤثر على قيمته الذاتية. | يُعتبر “إصابة نرجسية” (Narcissistic Injury) تؤدي إلى الغضب النرجسي أو الانسحاب. |
٢. التعاطف والتفاعلات الاجتماعية:
| الميزة | الثقة بالنفس | النرجسي |
| التعاطف | تعاطف عاطفي ومعرفي (يشعر بالآخرين ويهتم بهم). | تعاطف معرفي فقط (يقرأ مشاعر الآخرين للتلاعب بهم). |
| الاستماع | يستمع بإنصات ويهتم حقاً بما يقوله الآخرون. | يتظاهر بالاستماع، لكنه ينتظر دوره للحديث عن نفسه. |
| الاستغلال | يرفض استغلال الآخرين ويحترم حدودهم. | يرى الآخرين كأدوات (Objects) لخدمة أهدافه والحصول على الوقود. |
٣. التعامل مع النقد والخطأ:
| الميزة | الثقة بالنفس | النرجسي |
| تقبل النقد | يتقبل النقد البناء بصدر رحب ويرى فيه فرصة للنمو. | يرى النقد كـ “هجوم شخصي” و**”تهديد وجودي”**. |
| الرد على النقد | الدفاع عن الحقيقة بهدوء أو الاعتذار إذا كان مخطئاً. | الإسقاط (Projection) للخطأ على الآخرين، أو الغضب النرجسي. |
| الخطأ والفشل | يرى الخطأ كجزء من عملية التعلم ويتحمل مسؤوليته. | يلوم الآخرين أو الظروف على فشله (لا يتحمل المسؤولية أبداً). |
المحور الثالث: الروابط النفسية والخلل في التطور
يُعدّ الفرق بين الثقة بالنفس والنرجسية في جوهره اختلافاً في كيفية معالجة الفرد للإجهاد والصدمة في مرحلة الطفولة.
١. بناء الثقة (الطريق الصحي):
تُبنى الثقة بالنفس عندما يتلقى الطفل “التثبيت العاطفي” (Validation) و**”الحب غير المشروط”** من مقدمي الرعاية.
- التوازن: يتعلم الطفل أن قيمته الذاتية لا تتأثر بالنجاح أو الفشل، بل بالوجود نفسه. هذا يُنمّي لديه “تقدير الذات المستقر”.
٢. بناء النرجسية (الطريق المرضي):
تنشأ النرجسية كرد فعل على “الفشل الأبوي” أو “الصدمة العاطفية” (الإهمال أو التدليل المفرط والمشروط).
- الطريق الكوهوتي (Heinz Kohut): يرى أن النرجسي فشل في الحصول على “الموضوعات الذاتية” (Selfobjects) التي تعكس له قيمته. لذا، يظل في حالة بحث أبدي عن هذا الانعكاس الخارجي (الوقود).
- الطريق الكيرنبيرغي (Otto Kernberg): يرى أنها نتيجة العدوانية والحسد وفشل في تطوير الضمير، مما يؤدي إلى بناء “ذات زائفة مُتضخمة” لحماية الضعف الداخلي.
- الخلل: الثقة النرجسية هي ثقة تعويضية؛ أي أنها تحاول تعويض النسخة الهشة والضعيفة من الذات الداخلية.
المحور الرابع: المظاهر السلوكية والاجتماعية في النرجسية بالعربي
في سياق الثقافة العربية، قد تختلط الثقة بالنفس والسلطة النرجسية بسبب التركيز على المظاهر والمكانة الاجتماعية.
١. الثقة بالنفس والسلطة (القيادة):
- الثقة الصحية: القيادة هنا تكون قائمة على القدرة، والمسؤولية، والتمكين (تشجيع الفريق). الشخص الواثق لا يخشى أن يتفوق عليه أحد.
- السلطة النرجسية: القيادة تكون قائمة على الهيمنة، والسيطرة، وتقويض من هم دونه. النرجسي يرى القيادة كفرصة لـ “تغذية ذاته” و**”إخفاء ضعفه”**.
٢. النرجسية والتفاخر الزائف:
- الثقة بالنفس: التعبير عن الإنجازات يكون واقعياً ومُناسباً للسياق.
- التفاخر النرجسي: التعبير عن الإنجازات يكون مبالغاً فيه، ويهدف إلى إثارة الحسد أو إذلال الآخرين. النرجسي لا يتحدث عن إنجازاته لإعلامك، بل لجعلك تشعر بالدونية.
المحور الخامس: كيف يمكن للضحية التمييز والتحرر؟
بالنسبة لضحية النرجسي، فإن التمييز بين الثقة والاضطراب هو الخطوة الأولى نحو الشفاء واستعادة الثقة الأساسية.
١. التركيز على “كيف تشعر” (Focus on Feeling):
بدلاً من الحكم على سلوك الشخص (الذي قد يكون مُقنعاً)، يجب على الضحية أن تسأل نفسها: كيف أشعر في وجود هذا الشخص؟
- الثقة الصحية: تشعر بـ الأمان، والهدوء، والتشجيع.
- الوجود النرجسي: تشعر بـ القلق، والإرهاق، والتهديد، والحاجة إلى الدفاع عن النفس.
٢. اختبار النقد (The Criticism Test):
إذا كنت غير متأكد، وجه نقداً بسيطاً وهادئاً أو قدم رأياً مخالفاً:
- الشخص الواثق: سيناقش الفكرة بهدوء.
- النرجسي: سيقابل النقد بـ غضب أو هجوم شخصي مُضاد (إسقاط). هذا الرد المبالغ فيه هو الدليل القاطع على الاضطراب الكامن.
٣. الهروب من الوهم:
التحرر يبدأ بـ الإدراك الجذري بأن ما كان يبدو ثقة بالنفس هو في الواقع هشاشة مُتنكرة، والهدف ليس إصلاح هذه الهشاشة بل الابتعاد التام عنها.
الخلاصة: الثقة تُضيف، النرجسية تخصم
الفرق بين الثقة بالنفس واضطراب النرجسية يكمن في البوصلة الداخلية: الثقة هي قوة تنبع من الداخل وتُوجَّه نحو المشاركة والنمو، بينما النرجسية هي قناع وقائي يتطلب طاقة خارجية دائمة ويُوجَّه نحو السيطرة والاستغلال.
الثقة بالنفس تُضيف إلى العالم وتُشجّع الآخرين. أما النرجسية فتسعى دائماً إلى الخصم من الآخرين لتُضيف إلى وهم عظمة الذات. فهم هذا التمييز ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل هو المفتاح لحماية الذات والعواطف من الوقوع في فخ الاضطراب النرجسي في سياق النرجسية بالعربي.
لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

اترك تعليقاً