الخوف من التسمية – التباس العرض والجوهر
يُعدّ سؤال “هل أنا نرجسي لأنني أصبحت لا أثق بأحد بعد علاقتي به؟” سؤالاً مؤلماً ومُربكاً يطرحه العديد من الناجين من الإساءة النرجسية (Narcissistic Abuse). هذا السؤال ينبع من الخوف من التشخيص، حيث تشعر ضحية النرجسي (Victim of Narcissism) بأن انعدام ثقتها المفرط وتجنبها للعلاقات بعد الانفصال يشبهان عزلة وانطوائية النرجسي نفسه. ومع ذلك، فإن الإجابة الحاسمة هي: لا، إن فقدان الثقة بعد علاقة نرجسية ليس نرجسية؛ بل هو عرض من أعراض الصدمة (C-PTSD) وآلية دفاع صحية تُنشئها النفس للحماية بعد الخيانة العظمى للثقة الأساسية.
تهدف هذه المقالة المتعمقة، إلى تفكيك هذا الالتباس الجوهري. سنقوم بتحليل الفرق بين “فقدان الثقة الناتجة عن الصدمة” و**”انعدام التعاطف النرجسي”**، وشرح كيف يُعدّ انعدام الثقة إرثاً مباشراً لتكتيكات النرجسي (خاصة الغاسلايتينغ)، وكيف يمكن للضحية أن تتجاوز هذه المرحلة دون الخوف من التحول إلى نرجسي. هذا التحليل ضروري لتمكين الأفراد الذين عانوا من النرجسية بالعربي من التوقف عن لوم الذات وبدء رحلة استعادة الثقة الآمنة.
المحور الأول: التمييز بين الدافع – الصدمة مقابل المرض
الاختلاف الجذري بين انعدام الثقة لدى الناجي والنرجسية يكمن في الدافع والنية الكامنة خلف السلوك.
١. النرجسي – انعدام الثقة الناتج عن المرض والهشاشة:
- الدافع: النرجسي لا يثق بالآخرين لأنه يرى العالم كـ “ساحة تنافسية” يجب فيها إما أن تُسيطر أو يتم تدميرك. هو يرى الآخرين كأدوات محتملة للاستغلال أو كتهديدات يجب تحييدها.
- النتيجة: انعدام الثقة لديه يؤدي إلى الاستغلال، والغدر، والعدوانية، والافتقار للتعاطف، والإسقاط لعيوبه على الآخرين.
٢. الناجي – انعدام الثقة الناتج عن الصدمة والدفاع:
- الدافع: الضحية لا تثق بالآخرين لأنها تعرضت للخيانة العظمى من شخص كان من المفترض أن يكون مصدر أمانها. انعدام الثقة هنا هو آلية دفاع مُكتسبة تهدف إلى “منع تكرار الإساءة”.
- النتيجة: انعدام الثقة لدى الناجي يؤدي إلى الانسحاب الاجتماعي، وفرط اليقظة، والقلق الاجتماعي، والتجنب (وهي جميعها أعراض لـ C-PTSD)، ولكنه لا يؤدي إلى استغلال الآخرين أو الافتقار للتعاطف معهم.
المحور الثاني: فقدان الثقة الأساسية – إرث تكتيكات النرجسي
إن انعدام الثقة ليس صفة جديدة لدى الضحية؛ بل هو نتيجة مباشرة للدمار المنهجي الذي أحدثه النرجسي في بنيتها النفسية.
١. تدمير الثقة الأساسية عبر الغاسلايتينغ:
- الآلية: استخدم النرجسي تكتيك الغاسلايتينغ (إنكار الواقع، تشويه الذاكرة) بشكل مستمر لـ إلغاء الإدراك الذاتي لـ الضحية.
- النتيجة: فقدت الضحية الثقة في قدرتها على التمييز بين الحقيقة والوهم. انعدام الثقة الحالي في الآخرين هو انعكاس لـ “عدم الثقة في حكمي على الآخرين” الذي زرعه النرجسي.
٢. فرط اليقظة (Hypervigilance) كآلية للمسح الضوئي:
- الآلية: العيش تحت التهديد المستمر (التوتر المزمن) أجبر الضحية على تطوير فرط اليقظة للبحث عن علامات الخطر.
- النتيجة: في العلاقات الجديدة، يستمر الجهاز العصبي في هذه الحالة، مما يجعل الضحية تُفسّر الإشارات المحايدة (مثل التأخير في الرد أو الصمت) على أنها تهديد أو خيانة محتملة. هذا ليس نرجسية؛ بل هو عرض لـ C-PTSD يمنع الدماغ من الاسترخاء.
٣. صدمة الترابط والتشوه العاطفي:
- الآلية: صدمة الترابط ربطت الحب والأمان بالألم والإساءة.
- النتيجة: تشعر الضحية بالارتباك عندما تواجه علاقة صحية ومستقرة، وتشكك في دوافع الشريك الجديد: “هل هذا هدوء حقيقي أم أنه هدوء يسبق العاصفة النرجسية؟” هذا الشك هو خوف من الألم وليس رغبة في الاستغلال.
المحور الثالث: اختبار “النية” – لماذا لا يمكن للناجي أن يكون نرجسياً؟
هناك فروق جوهرية في السلوكيات تثبت أن انعدام ثقة الناجي هو دفاع وليس مرضاً نرجسياً.
| الصفة | النرجسي (المرض) | الناجي (الصدمة/الدفاع) |
| النية من انعدام الثقة | الاستغلال والسيطرة على الآخر. | الحماية من الأذى المستقبلي. |
| التعاطف | يفتقر للتعاطف العاطفي؛ لا يهتم بألم الآخرين. | مفرط التعاطف (غالباً)، يهتم بألم الآخرين ويخشى إيذاءهم. |
| اللوم وتحمل المسؤولية | الإسقاط المطلق؛ يلوم العالم والضحية ولا يعتذر أبداً. | لوم ذاتي مُفرط (تأثير الغاسلايتينغ). يحاول أن يتحمل مسؤولية ما حدث. |
| الرغبة في المساعدة | لا يطلب المساعدة إلا إذا كانت تخدم صورته الذاتية. | يسعى بصدق للمساعدة والشفاء، ويتمنى علاقات صحية. |
| التعامل مع الحدود | ينتهك الحدود باستمرار ويعتبرها تهديداً. | يصعب عليه وضع الحدود أو يضعها بشكل جامد وغير مرن خوفاً من الاختراق. |
المحور الرابع: كيف تتحول مرحلة انعدام الثقة إلى تعافي آمن؟
الهدف ليس إجبار النفس على الثقة فوراً، بل السماح للثقة بالبناء ببطء وثبات في بيئة آمنة.
١. الاعتراف والتسمية (Validate the Trauma):
- الخطوة الأولى: يجب على الضحية أن تُسمي الشعور باسمه الحقيقي: “هذا ليس نرجسية؛ هذا فقدان للثقة الأساسية ناتج عن صدمة.” هذا يقلل من اللوم الذاتي ويفتح الباب للعلاج.
٢. العلاج الموجه للصدمة (Trauma-Informed Therapy):
- C-PTSD: البحث عن معالج متخصص في C-PTSD لمواجهة فرط اليقظة والشك الذاتي. تقنيات مثل EMDR تساعد على إعادة برمجة الاستجابة العصبية للخطر، مما يقلل من حاجة الجسم للعيش في حالة تأهب.
٣. بناء الثقة بشكل تدريجي (Gradual Trust Building):
- التركيز على الأدلة: عند دخول علاقة جديدة، يجب على الضحية أن تركز على الأفعال الثابتة للشريك بدلاً من الكلمات العاطفية المفرطة. بناء الثقة يتم عبر التجارب الصغيرة المتكررة التي تُثبت الأمان.
- إعادة بناء الثقة الذاتية: العمل على تقوية الثقة الذاتية (Self-Trust) أولاً، عبر الالتزام بالقرارات الصغيرة والوفاء بالوعود الذاتية. عندما تثق الضحية في نفسها، يقل اعتمادها على الآخرين لتحديد الواقع.
٤. تحديد الحدود الجديدة (New Boundaries):
- الحدود كـ “دفاع صحي”: يجب على الضحية أن تتعلم أن وضع الحدود ليس نرجسية، بل هو دفاع صحي وضروري. يجب أن تكون الحدود واضحة، وحازمة، وغير قابلة للتفاوض، وأن يتم الدفاع عنها بهدوء وثقة.
المحور الخامس: النرجسية بالعربي والشك – التحرر من الحكم الاجتماعي
في سياق النرجسية بالعربي، يزيد الحكم الاجتماعي من صعوبة التحرر من انعدام الثقة.
١. القلق الاجتماعي والخوف من الحكم:
- الآلية: القلق الاجتماعي الذي يُصيب الناجين (ناتج عن فرط اليقظة) يجعلهم يتجنبون العلاقات خوفاً من النقد أو الحكم الاجتماعي.
- الحل: يجب على الضحية أن تتقبل أن انعدام الثقة هو مرحلة انتقالية، والتركيز على الاندماج الاجتماعي الآمن (مجموعات دعم، أصدقاء موثوق بهم) لإعادة اختبار الأمان.
٢. الخلط بين النرجسية و”القوة”:
- التشوه: في بعض الأحيان، يخلط المجتمع بين الثقة بالنفس الصحية والنرجسية، مما يجعل الضحية تتردد في الدفاع عن نفسها أو وضع الحدود خوفاً من أن تُتهم بالنرجسية. يجب تذكير الذات دائماً: الحدود هي قوة، والنرجسية هي استغلال.
الخلاصة: انعدام الثقة هو صرخة للشفاء
هل أنا نرجسي لأنني أصبحت لا أثق بأحد بعد علاقتي به؟ بالتأكيد لا. إن انعدام الثقة وفرط اليقظة هما صرخة الجسد والعقل للشفاء والنجاة من تدمير النرجسي. هذه المشاعر هي عرض لـ C-PTSD وفقدان الثقة الأساسية، وليست دليلاً على وجود مرض نرجسي.
التعافي يبدأ بالاعتراف بأن انعدام الثقة هو درع وقائي يجب تقديره. عبر العلاج الموجه للصدمة، وإعادة بناء الثقة الذاتية، وتثبيت الحدود الصحية، يمكن لـ ضحية النرجسي أن تتحول من شخص يعيش في ظل الشك الدائم إلى شخص قوي يثق بذكائه العاطفي وقدرته على اختيار علاقات آمنة وصحية في مواجهة النرجسية بالعربي.
لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

اترك تعليقاً