هل النرجسي يشعر بمن حوله ؟

هل النرجسي يشعر بمن حوله؟ وهم التعاطف وميزان الاستغلال (دراسة متعمقة في النرجسية بالعربي)


المقدمة: الشعور المشروط – الأنا كمركز للكون

يُعدّ السؤال حول قدرة النرجسي على “الشعور بمن حوله” من الأسئلة الأكثر إيلامًا للضحايا، فالخبرة الواقعية تُظهر أن النرجسي قادر على قراءة المشاعر ببراعة، لكنه يستخدم هذه القراءة للتلاعب وليس للتعاطف. في علم النفس، ترتبط قدرة الشعور بالآخر ارتباطًا وثيقًا بمفهوم التعاطف (Empathy). العلاقة مع النرجسي تُصبح اختبارًا دائمًا للتمييز بين التعاطف المعرفي (Cognitive Empathy) البارد وبين التعاطف العاطفي (Emotional Empathy) الحقيقي والدافيء.

تهدف هذه المقالة المتعمقة، التي تقترب من ٢٠٠٠ كلمة، إلى تحليل كيفية “شعور” النرجسي بمن حوله، مؤكدةً على أن هذا الشعور يكون دائمًا مشروطًا ووظيفيًا؛ أي أنه يخدم أهداف الأنا النرجسية والحاجة إلى الوقود النرجسي. سنقوم بتفكيك الأبعاد المختلفة لغياب التعاطف، وكيف يستغل النرجسي إدراكه لمشاعر الضحية لتنفيذ تكتيكات التلاعب والسيطرة، مع التركيز على فهم سياق النرجسية بالعربي.


المحور الأول: غياب التعاطف العاطفي – العجز عن الشعور الحقيقي

النقطة الجوهرية التي تُجيب على سؤال “هل النرجسي يشعر بمن حوله؟” هي الفصل بين نوعي التعاطف.

١. العجز عن التعاطف العاطفي (Emotional Empathy):

  • التعريف: التعاطف العاطفي هو القدرة على “الشعور بما يشعر به الآخر”؛ أي الانفعال العاطفي والاستجابة للوجع أو الفرح كأنها أحداث تخص الذات. هذا النوع من التعاطف يُحفز السلوك الإيثاري والاهتمام بمصلحة الآخر.
  • النقص لدى النرجسي: النرجسي يفتقر إلى هذا النوع من التعاطف. عندما تتألم الضحية أو تبكي، قد يفهم النرجسي عقليًا أن الأمر مؤلم، لكنه لا يستطيع أن يتأثر عاطفيًا أو أن يشعر بالندم أو الذنب. هذا العجز هو ما يسمح له بمواصلة الإساءة دون عوائق أخلاقية.
  • تفسير الدماغ: تشير الأبحاث إلى أن مناطق الدماغ المرتبطة بالتعاطف العاطفي (مثل القشرة الحزامية الأمامية) قد تُظهر نشاطًا منخفضًا أو تكون مُعطّلة عند النرجسيين (وخاصة الذين يميلون للسمات السيكوباتية).

٢. التركيز على التعاطف المعرفي (Cognitive Empathy):

  • التعريف: التعاطف المعرفي هو القدرة على “فهم ما يفكر فيه الآخر” أو “توقع رد فعله” من منظور تحليلي ومنطقي. إنه أشبه بـ “قراءة خارطة الطريق العاطفية”.
  • استغلال النرجسي: النرجسي يمتلك هذا التعاطف المعرفي بمستويات عالية جدًا، بل وقد يكون مُفرطًا. إنه يستخدم هذه المهارة لقراءة نقاط ضعف الضحية، وتوقيت نوبة الغضب، ومعرفة الكلمات الأكثر إيلامًا (كأن يقول: “أنتِ حساسة جدًا، تمامًا مثل أمك!”) لضمان الحصول على أقصى قدر من الوقود النرجسي والسيطرة.

٣. الخلاصة: الشعور كـ “بيانات”:

إن شعور النرجسي بمن حوله ليس شعوراً عاطفياً، بل هو قراءة واستقبال لـ “بيانات” عاطفية يتم تحليلها واستخدامها ببرودة لخدمة الأهداف الذاتية.


المحور الثاني: “الأنا” كمرشح – كيف يفسر النرجسي مشاعر الآخرين؟

عندما يستقبل النرجسي المشاعر من الآخرين، فإنه يُمررها عبر مرشح ضيق جدًا وهو الأنا المتضخمة، مما يحرف معنى هذه المشاعر.

١. تحويل مشاعر الضحية إلى وقود:

أي شعور يُظهره الآخر، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا، يُترجم إلى نوع من الوقود النرجسي:

  • الحزن واليأس: يتم تفسيره على أنه دليل على أهمية النرجسي وقوته المطلقة على مشاعر الضحية؛ فبكاء الضحية يُشبع شعوره بالعظمة.
  • الغضب والدفاع: يُفسر على أنه دليل على أن الضحية “مذنبة” أو “معيبة”؛ وهذا يبرر سلوكه الإساءي ويؤكد تضخم ذاته.
  • الإعجاب والمديح: يُفسر على أنه تأكيد لـ “الذات الزائفة” وتغذية فورية لوهم الكمال.

٢. آلية الإسقاط (Projection) وتحريف الشعور:

النرجسي لا يرى مشاعر الضحية ككيان منفصل، بل كـ إسقاط لمشاعره الخاصة.

  • الخوف من الهشاشة: إذا شعر النرجسي داخليًا بأنه ضعيف أو غاضب، فإنه يُسقط هذا الشعور على الضحية ويقول: “أنتِ غاضبة جدًا وعليك أن تهدئي”، بينما في الحقيقة هو الغاضب. هذا الإسقاط يحمي النرجسي من الشعور بضعفه الخاص.
  • الغاسلايتينغ كآلية حماية: عندما يُنكر النرجسي مشاعر الضحية (“أنت تتخيلين”، “هذا لم يحدث”)، فإنه لا يكذب عليك فحسب، بل يُحاول أن يُثبت لـ نفسه أن الواقع يمكن التحكم فيه، مما يُريح قلقه الداخلي.

المحور الثالث: الشعور المشروط – عندما “يشعر” النرجسي لصالحه

هناك لحظات نادرة يبدو فيها أن النرجسي “يشعر” أو يُظهر التعاطف. هذه اللحظات تكون دائمًا مشروطة بوجود مصلحة ذاتية.

١. التعاطف الأداتي (Instrumental Empathy):

يُستخدم التعاطف كـ أداة تلاعب ضمن دورة الاستغلال النرجسي:

  • مرحلة التحويم (Hoovering): بعد التخلص من الضحية، قد يعود النرجسي مُظهراً ندمًا مزيفًا، وبكاءً، واعترافات بالحب (تلاعب عاطفي). هذا ليس شعورًا بالندم، بل هو سلوك واعي يهدف إلى سحب الضحية مرة أخرى إلى العلاقة لاستعادة الوقود النرجسي.
  • أمام الجمهور: قد يُظهر النرجسي تعاطفًا مبالغًا فيه تجاه الضحية (أمام العائلة أو الأصدقاء) للحفاظ على واجهته المثالية وسمعته. هذا الشعور يُوجّه لـ المراقبين وليس لـ الضحية.

٢. الشعور بالتهديد بدلاً من الشعور بالذنب:

النرجسي لا يشعر بالذنب (شعور أخلاقي)، لكنه يشعر بالتهديد عندما تُهدد صورته الذاتية أو سيطرته.

  • الإصابة النرجسية: عندما يتعرض النرجسي للنقد أو الرفض، فإنه يشعر بالعار والإذلال (Shame and Humiliation)، وهذا الشعور يختلف عن الذنب (Guilt).
  • الخوف من العقاب: إذا شعر بأن سلوكه قد يؤدي إلى عواقب وخيمة (مثل الطلاق، أو فقدان المال، أو الرفض الاجتماعي)، فإنه قد يُغير سلوكه مؤقتًا. هذا التغيير ليس نابعًا من شعوره بآلام الضحية، بل من خوفه على ذاته وعواقبها.

المحور الرابع: النرجسية بالعربي والتعاطف المُقنّع

في السياق الاجتماعي والثقافي العربي، قد تتخذ ظاهرة غياب التعاطف أبعادًا تتخفى خلف الأعراف والقيم.

١. استغلال الـ “واجب” والمظاهر:

قد يظهر النرجسي اهتمامًا أو شعورًا بـ الضحية (الزوجة أو الأبناء) من منطلق “الواجب” الاجتماعي (الدارما في منظور آخر)، وليس من منطلق التعاطف أو الحب الحقيقي.

  • الاحتياجات الظاهرية: يركز النرجسي على تلبية الاحتياجات الظاهرية (المال، المسكن، المظهر اللائق) التي تُعزز صورته كـ “شخص جيد”، بينما يتجاهل الاحتياجات العاطفية والروحية العميقة لـ الضحية.
  • الرغبة في المديح: يتم تفسير العطاء كاستثمار للحصول على الوقود النرجسي من المجتمع (“انظروا كم أنا شريك معطاء ومهتم!”).

٢. الإذلال كآلية “تصحيح”:

في إطار العلاقات، قد يُقدم النرجسي الإذلال أو التقليل من الشأن كنوع من “التصحيح” الذي يراه ضروريًا لـ الضحية، مما يبرر قسوته. هذا يجعله يعتقد أنه “يشعر” بالمسؤولية تجاه الآخر (لكنها مسؤولية مُشوهة).


المحور الخامس: تداعيات فهم الشعور على الضحية – طريق التحرر

إن فهم أن النرجسي لا “يشعر” بنفس الطريقة أمر بالغ الأهمية لـ الضحية للبدء في التعافي.

١. التوقف عن البحث عن التعاطف:

أكبر خطأ ترتكبه الضحية هو محاولة الشرح والجدال والإصرار على أن النرجسي “سيشعر” بآلامها إذا فهم.

  • الإدراك: يجب الإقرار بأن النرجسي يفهم (معرفيًا) أنك تتألم، لكنه لا يستطيع (عاطفيًا) أن يتأثر، ولن يتم تحفيز التعاطف فيه بالشرح أو البكاء. هذا الإدراك يوفر الطاقة ويُوقف الجدال العقيم.

٢. الرد على السلوك بدلاً من النية:

التعامل مع النرجسي يجب أن يركز على إدارة سلوكه (الذي يعي نتائجه) بدلاً من محاولة تغيير نيته (التي يفتقر إليها).

  • الحدود: وضع حدود صارمة وواقعية: “إذا تحدثت بهذا الأسلوب، سأنسحب.” هذا يُعلّم النرجسي أن سلوكه العدواني يؤدي إلى فقدان الوقود النرجسي.

٣. البحث عن التعاطف في الخارج:

يجب أن تبحث الضحية عن التعاطف والتحقق العاطفي من مصادر صحية وآمنة (الأصدقاء، العائلة الداعمة، المعالج النفسي)، وليس من النرجسي الذي يفتقر إليه.


الخلاصة: الشعور المُنقوص والمُصطنع

في الختام، فإن الإجابة على سؤال “هل النرجسي يشعر بمن حوله؟” هي: نعم، ولكنه شعور مُنقوص ومُصطنع.

النرجسي يمتلك ذكاءً عاطفيًا معرفيًا خارقًا يجعله يقرأ الآخرين بدقة، لكنه يفتقر إلى التعاطف العاطفي الذي يُترجم هذا الإدراك إلى ندم أو محبة حقيقية. إن أي “شعور” يُظهره النرجسي هو إما أداة تلاعب واعية لضمان استمرار تدفق الوقود النرجسي، أو رد فعل خوف على تهديد ذاته الهشة. التحرر من قبضة النرجسية بالعربي يبدأ عندما تتوقف الضحية عن استجداء التعاطف من مصدر لا يمتلكه.

شارك هذه المقالة

لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *