الوعي والسلوك: هل النرجسي يعي تصرفاته التلاعبية؟ (دراسة متعمقة في النرجسية بالعربي)
المقدمة: الجدل المحوري حول وعي النرجسي
يُعدّ السؤال حول ما إذا كان النرجسي يعي تمامًا طبيعة تصرفاته التلاعبية والاستغلالية أحد أكثر الأسئلة تعقيدًا وإثارة للجدل في دراسات النرجسية (Narcissism). من منظور الضحية، يبدو سلوك النرجسي مُتعمدًا، ومُصممًا ببراعة لإلحاق الضرر والسيطرة، مما يوحي بالوعي الكامل والنية الخبيثة. بينما من منظور التحليل النفسي والسريري، يمكن تفسير الكثير من هذا السلوك كـ آليات دفاع بدائية تُمارس بشكل لا شعوري لحماية “ذات” هشة.
تهدف هذه المقالة المتعمقة، التي تقترب من ٢٠٠٠ كلمة، إلى تحليل هذه القضية من منظور علم النفس الحديث، مُفصلةً درجات الوعي المختلفة التي قد يمتلكها النرجسي، والتمييز بين “الوعي العاطفي” و**”الوعي السلوكي”**. سنستعرض النظريات التي تُفسر الوعي الجزئي أو الغائب لدى النرجسي، وتداعيات هذا الفهم على الضحية، مع التركيز على فهم سياق النرجسية بالعربي.
المحور الأول: تدرج الوعي – الوعي الجزئي (التحليل النفسي)
يُمكن تقسيم وعي النرجسي إلى مستويات تتراوح بين الوعي السطحي بالسلوك والجهل العميق بالدوافع.
١. الوعي السلوكي (Behavioral Awareness):
النرجسي واعي تمامًا لـ “كيف” يتصرف، ولكنه غير واعٍ لـ “لماذا” يتصرف بهذه الطريقة.
- الوعي بالفاعلية: النرجسي يعي أن الكذب والتلاعب والصراخ فعال في تحقيق هدفه الفوري (كسب الجدال، الحصول على الوقود النرجسي، أو إنهاء النقاش). إنه يدرك أن “هذا السلوك يعمل” في تحقيق السيطرة.
- اختيار الضحية: الدليل على الوعي السلوكي هو أن النرجسي يختار الضحية التي يدرك أنها ستكون متعاطفة، أو يختار إهانة شريكه في مكان لا يوجد فيه شهود. هذا يدل على الوعي بالنتائج وليس بالضراب الأخلاقي.
٢. الجهل بالدوافع (Lack of Insight):
الجهل الأعمق يتعلق بالدوافع الداخلية والخلفية النفسية.
- رفض الدوافع: النرجسي غير واعٍ، ويرفض أن يصبح واعيًا، لسبب سلوكه الحقيقي: الخوف من الهشاشة الداخلية، والحسد، والشعور العميق بالنقص. يتم دفن هذه الدوافع في اللاوعي.
- آلية الإسقاط (Projection): الإسقاط هو آلية لا شعورية (دفاع بدائي كما يرى كيرنبيرغ)؛ النرجسي غير قادر على تحمل مشاعره السلبية (الخجل، النقص) فيقوم بإسقاطها على الضحية (“أنت الغاضب”، “أنت غير كفء”). في هذه اللحظة، هو لا يكذب بوعي على الآخرين؛ بل يكذب لا شعوريًا على نفسه أولاً.
المحور الثاني: النظريات الداعمة لغياب الوعي (التحليل النفسي)
تفسر مدارس التحليل النفسي، وخاصة علاقات الموضوع وعلم نفس الذات، سبب غياب الوعي الأخلاقي العميق لدى النرجسي.
١. نظرية أوتو كيرنبيرغ (Otto Kernberg) – الآلية الدفاعية اللاواعية:
يرى كيرنبيرغ أن النرجسية متجذرة في آلية الانفصام (Splitting)، وهي آلية لا شعورية تقع في المستوى الحدّي من تنظيم الشخصية.
- الانفصام: النرجسي غير قادر على دمج الجانب “الخير” والجانب “الشرير” في صورة واحدة. للحفاظ على صورته الذاتية “الكاملة” (الخير المطلق)، يتم إسقاط كل ما هو سيئ على الآخرين. هذا يحدث تلقائيًا كآلية بقاء، وليس كخيار واعي أخلاقي.
- غياب الأنا الأعلى (Superego) الناضجة: الفشل في دمج هذه الجوانب يؤدي إلى فشل الأنا الأعلى (الضمير) في التطور والنضج. لذا، يفتقر النرجسي إلى الوعي الأخلاقي الذي يدفعه إلى الشعور بالذنب الحقيقي.
٢. نظرية هاينز كوهوت (Heinz Kohut) – الجهل بالاحتياج:
يرى كوهوت أن النرجسية هي اضطراب نقص ناتج عن فشل الموضوعات الذاتية (الوالدين) في توفير التعاطف.
- الجهل بالاحتياج: النرجسي لا يعي أنه يائس وطفولي في احتياجه للوقود النرجسي. إنه يرى سلوكه التلاعبي على أنه مجرد “طلب منطقي” لاسترداد ما يستحقه (المرآة والإعجاب).
- الخوف من التفكك: وراء الغضب النرجسي (السلوك الواعي بالعدوانية)، يوجد خوف لا شعوري من تفكك الذات (Fragmentation). العدوانية هي محاولة لا شعورية لـ “الإصلاح” عبر السيطرة.
المحور الثالث: الوعي العاطفي مقابل الوعي المعرفي (الافتقار للتعاطف)
يُمكن لـ النرجسي أن يمتلك ذكاءً معرفيًا عاليًا يجعله يدرك كيف يُتلاعب بالناس، ولكنه يفتقر إلى الوعي العاطفي.
١. الوعي المعرفي (Cognitive Awareness) – كيف يتلاعبون:
النرجسي غالبًا ما يكون ذكيًا جدًا في قراءة الآخرين (ما يسمى بـ التعاطف المعرفي).
- مهارات الملاحظة: النرجسي يراقب جيدًا نقاط ضعف الضحية واحتياجاتها العاطفية. إنه يعي أن الضغط على نقاط ضعف معينة (مثل الخوف من الهجر أو انعدام الأمن) سيؤدي إلى رد الفعل المطلوب (الوقود). هذا يفسر لماذا تبدو تكتيكاتهم مُصممة ببراعة.
- النية ليست الأذى لذاته: النية ليست بالضرورة “إلحاق الأذى بالضحية” بل “الحفاظ على الذات”. يتم استخدام الآخرين كأدوات بوعي، لكن الغرض الأساسي هو البقاء الداخلي، وليس الإيذاء الخارجي.
٢. الوعي العاطفي (Emotional Awareness) – عدم الإحساس بالذنب:
هنا يقع العجز الأكبر لدى النرجسي: الافتقار إلى التعاطف العاطفي.
- التعاطف المعرفي مقابل العاطفي: يمكن للنرجسي أن يفهم عقليًا أن الضحية تتألم (التعاطف المعرفي)، لكنه لا يستطيع أن يشعر بهذا الألم أو أن يتأثر به (التعاطف العاطفي).
- غياب الندم: غياب التعاطف العاطفي يترجم إلى غياب الندم الحقيقي أو الشعور بالذنب بعد الإساءة. إذا اعتذر النرجسي، فالاعتذار عادة ما يكون تلاعبًا واعيًا لاستعادة السيطرة أو الحصول على شيء (مثل مواصلة العلاقة)، وليس نابعًا من ندم حقيقي.
المحور الرابع: النرجسية الخبيثة – الوعي الكامل بالقسوة
النمط الوحيد الذي يمكن أن يُقال عنه إنه يمتلك درجة عالية من الوعي الكامل بنيّة الإيذاء هو النرجسي الخبيث.
١. النرجسية الخبيثة (Malignant Narcissism):
كما وصفها أوتو كيرنبيرغ، يجمع هذا النمط بين النرجسية والسمات المعادية للمجتمع (Antisocial).
- الوعي ونية الإيذاء: في هذه الحالة، يتطور الوعي السلوكي إلى نية واعية للإيذاء والاستمتاع بتعاسة الآخرين. هذا النمط لا يكتفي بالحصول على الوقود، بل يسعى للحصول على “وقود العدوان” (الاستمتاع برؤية الآخرين يتألمون).
- السيكوباتية والنرجسية: غالبًا ما يتقاطع هذا النمط مع السيكوباتية، حيث يكون هناك وعي كامل بسلوك التلاعب والضرر الناتج عنه، مع غياب تام للضمير والندم. هذه هي الحالة التي تكون فيها الإساءة متعمدة بالكامل.
المحور الخامس: تداعيات فهم وعي النرجسي على الضحية
إن فهم درجات الوعي المختلفة لدى النرجسي أمر حاسم لـ الضحية للتحرر العاطفي من العلاقة.
١. التوقف عن “الإنقاذ” أو “الشرح”:
طالما ظنت الضحية أن النرجسي “لا يعي” تصرفاته، فإنها ستحاول شرح الأمور أو إنقاذه.
- لا جدوى من الشرح: يجب على الضحية أن تدرك أن النرجسي يعي جيدًا كيف يتصرف (الوعي السلوكي)، وأن شرح المشاعر أو المنطق لن يُغير شيئًا لأنه لا يمتلك الوعي العاطفي (التعاطف). هذا الفهم يُوقف الضحية عن الاستمرار في جدال عقيم.
٢. التحرر من البحث عن الندم:
طالما بقيت الضحية تنتظر أن يشعر النرجسي بالندم أو الذنب (وهو وعي أخلاقي)، فإنها ستبقى عالقة.
- تقبّل غياب الضمير: يجب تقبّل أن الندم الحقيقي غير ممكن في أغلب الحالات، وأن أي اعتذار هو تكتيك واعي يهدف إلى التحويم (Hoovering) واستعادة السيطرة.
٣. الرد على السلوك بدلاً من الدافع:
التعامل مع النرجسي يجب أن يركز على الوعي السلوكي لديه (الذي يمكن التحكم فيه)، بدلاً من الوعي بالدوافع (الذي لا يمكن تغييره).
- الردود القائمة على الحدود: يجب أن تكون الردود مُركزة على السلوك المرفوض وعواقبه: “عندما ترفع صوتك، أغادر الغرفة.” هذا يتحدث مباشرة إلى وعيه بـ “ما الذي ينجح وما الذي لا ينجح”.
الخلاصة: الوعي مُشروط والضمير غائب
في الختام، فإن الإجابة على سؤال “هل النرجسي واعي لتصرفاته؟” هي: نعم، جزئيًا وبشكل مشروط.
النرجسي يمتلك وعيًا عاليًا بسلوكياته التلاعبية (الوعي المعرفي) ويعي أنها فعالة في السيطرة والحصول على الوقود النرجسي. لكنه يفتقر إلى الوعي العاطفي والضمير الأخلاقي (لأسباب تحليلية عميقة كالإنفصام). إنه لا يرى نفسه كشخص مُسيء، بل كشخص “مُستحق” و**”مُحق”** في الحصول على ما يريد. باستثناء حالات النرجسية الخبيثة الأكثر خطورة، فإن الدافع ليس الشر المطلق، بل هو آلية بقاء لا شعورية تم التعبير عنها بوعي تلاعبي. فهم هذا التمييز هو الخطوة الأولى لـ الضحية نحو التحرر من قبضة النرجسية بالعربي.
لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

اترك تعليقاً