العيش بعد الزلزال: اضطراب ما بعد الصدمة المُعقد (C-PTSD) عند ضحية النرجسي (دراسة متعمقة في النرجسية بالعربي)
تحويل الإساءة المزمنة إلى صدمة عميقة
يُعدّ التعرض للإساءة من قبل النرجسي (Narcissist) بمثابة صدمة نفسية لا تنتهي بانتهاء العلاقة. على عكس الصدمات الناتجة عن حدث واحد ومفاجئ (كحادث أو كارثة)، فإن الإساءة النرجسية هي صدمة مُزمنة، ومتقطعة، وشخصية للغاية، حيث يتم التلاعب بالواقع والهوية بشكل يومي. هذا النوع من الصدمة الطويلة الأمد هو ما يُنتج ما يُعرف في علم النفس بـ “اضطراب ما بعد الصدمة المُعقد” (Complex Post-Traumatic Stress Disorder – C-PTSD).
تهدف هذه المقالة المتعمقة، إلى تحليل العلاقة المباشرة بين الإساءة النرجسية وتطور C-PTSD لدى الضحية (Victim). سنقوم بتفكيك الأعراض الرئيسية لهذا الاضطراب، وشرح كيف تؤدي تكتيكات النرجسي (كـ الغاسلايتينغ والتقليل من الشأن) إلى تآكل الهوية وتفكيك الجهاز العصبي، مما يؤكد على أن C-PTSD ليس مجرد قلق أو اكتئاب، بل هو اضطراب هيكلي يتطلب مقاربة علاجية خاصة. هذا التحليل ضروري لتمكين الأفراد الذين عانوا من النرجسية بالعربي من تحديد معاناتهم وبدء مسار التعافي.
المحور الأول: فهم C-PTSD – الصدمة التي تُدمّر الهوية
C-PTSD هو تشخيص يصف العواقب النفسية والجسدية للصدمات التي تتسم بطول المدة والتعرض المتكرر، وغالبًا ما تحدث في سياق علاقات الاعتماد أو الأسرية (وهو ما يُعرف بـ صدمة العلاقات الشخصية).
١. الفرق بين PTSD و C-PTSD:
- PTSD (الاضطراب البسيط): ينتج عن حدث واحد، ومحدود زمنيًا (مثل كارثة طبيعية أو حادثة عسكرية). الأعراض تتركز على ذكريات الماضي والاجتناب.
- C-PTSD (الاضطراب المُعقد): ينتج عن صدمة مُطوّلة، ومُتكررة، وشخصية، تقع عادةً على يد شخص كان يجب أن يكون مصدر أمان (كـ النرجسي). الأعراض تتجاوز أعراض PTSD التقليدية لتشمل اضطرابات عميقة في الهوية وتنظيم العواطف.
٢. أعمدة الأعراض الثلاثة لـ C-PTSD:
بالإضافة إلى أعراض PTSD التقليدية (ذكريات متكررة، اجتناب، فرط استثارة)، يتميز C-PTSD بثلاثة أبعاد أساسية تتعلق بتدمير الذات:
- اضطراب في تنظيم العاطفة (Emotional Dysregulation): عدم القدرة على إدارة المشاعر، مما يؤدي إلى نوبات غضب، قلق، أو حزن مفرط أو انفصال عاطفي.
- الاعتقادات السلبية عن الذات (Negative Self-Concept): الشعور بالذنب، أو الخجل، أو النقص، أو الشعور باليأس بأن الذات قد تضررت بشكل لا يمكن إصلاحه.
- اضطراب في العلاقات (Relationship Disturbances): صعوبة في الثقة بالآخرين أو تكوين علاقات حميمة صحية، والخوف الشديد من الهجر أو الإيذاء.
المحور الثاني: تكتيكات النرجسي التي تخلق C-PTSD
كل تكتيك يمارسه النرجسي يساهم في بناء هيكل C-PTSD في دماغ الضحية، لأنه يهاجم المراكز العصبية المسؤولة عن الأمان والواقع.
١. الغاسلايتينغ (Gaslighting) وتفكيك الواقع:
الغاسلايتينغ هو التكتيك الأكثر تدميراً لأنه يُهاجم القدرة المعرفية للضحية على الوثوق بذاكرتها وحكمها.
- النتيجة: تسبب هذه الهجمات المتكررة على الواقع اضطراباً في الهوية لدى الضحية (من هي؟ ما هي الحقيقة؟)، وهو أحد الأعمدة الرئيسية لـ C-PTSD. يُصبح صوت النرجسي المُشكك صوتًا داخليًا لا شعوريًا.
٢. دورة التقليل من الشأن (Devaluation) وصدمة الترابط:
الإساءة المتقطعة هي السمة المميزة للعلاقة النرجسية التي تُنتج C-PTSD.
- آلية التدمير: يتم ربط الخطر (الإساءة) بـ المكافأة (القصف العاطفي المتقطع أو فتات الخبز). هذا يخلق إدماناً بيولوجياً (دوبامين) يتناوب مع هرمونات الإجهاد (كورتيزول). هذه الدورة من القرب والألم تمنع الجهاز العصبي من الاستقرار أو المعالجة الكاملة للصدمة، مما يؤدي إلى اضطراب في تنظيم العاطفة وفرط يقظة مستمر.
- الخطر: عدم وجود فترة أمان واضحة يمنع الدماغ من التعافي.
٣. الإسقاط واللوم (Projection) وتدمير القيمة الذاتية:
يُصر النرجسي دائمًا على أن المشكلة تكمن في الضحية، فيسقط عليها عيوبه وضعفه.
- النتيجة: يؤدي هذا اللوم المستمر والممنهج إلى الاعتقادات السلبية عن الذات، حيث تتشرب الضحية الرسائل النرجسية القاسية: “أنا ناقص/ناقصة”، “أنا أستحق هذه المعاملة”، “لا يمكنني أن أكون جيدًا أبدًا”.
المحور الثالث: الأعراض الجوهرية لـ C-PTSD في حياة الضحية
تظهر أعراض C-PTSD غالبًا بعد فترة من الانفصال، حيث يبدأ الجهاز العصبي في التحرر من التهديد المباشر.
١. اضطراب تنظيم العاطفة (Emotional Dysregulation):
- نوبات الغضب: ردود فعل غضب مبالغ فيها لا تتناسب مع الحدث، ناتجة عن تراكم الغضب المكبوت خلال العلاقة.
- الإحساس بالخجل والذنب السام: الشعور بالخجل العميق من الذات نتيجة للإساءة، بدلاً من توجيه الغضب نحو النرجسي. هذا الخجل يُعيق التعافي.
- التباعد العاطفي (Dissociation): الانفصال عن المشاعر أو الواقع (التجمد) كوسيلة دفاعية عندما يصبح الألم لا يُطاق.
٢. مشكلات العلاقات والتعلق:
- التجنب أو الإفراط في الاعتماد: قد تتردد الضحية بين تجنب جميع العلاقات الحميمة خوفاً من الإيذاء، أو الإفراط في الاعتماد على الشريك الجديد بحثاً عن الأمان المفقود.
- صعوبة الثقة: الإيمان العميق بأن الآخرين سيستغلونها أو يكذبون عليها، مما يجعل بناء علاقات صحية أمرًا شبه مستحيل.
٣. فرط اليقظة والاجترار (Rumination and Hypervigilance):
- الاجترار العقلي: تكرار المشاهدة الذهنية لأحداث العلاقة في محاولة لفهم “ماذا حدث؟” أو “كيف كان يمكنني منع ذلك؟”. هذه هي محاولة العقل اللاواعية لمعالجة الصدمة.
- اليقظة المفرطة: البحث المستمر عن “الأعلام الحمراء” في العلاقات الجديدة، وعدم القدرة على الاسترخاء والشعور بالأمان حتى في الأوقات الهادئة.
المحور الرابع: مسار التعافي من C-PTSD – إعادة بناء الهوية
يتطلب التعافي من C-PTSD نهجاً متعدد الأوجه يركز على إعادة بناء الهوية وتثبيت الجهاز العصبي.
١. تثبيت الجهاز العصبي (Somatic Healing):
التعافي من C-PTSD يبدأ بالجسد، وليس فقط بالعقل.
- اليقظة الذهنية والتأمل: للمساعدة في إعادة توصيل العقل بالجسد والعودة إلى “الحاضر” بدلاً من العيش في صدمة الماضي.
- تمارين التنفس واليوجا: لتهدئة الجهاز العصبي اللاإرادي المُفرط النشاط (الذي كان يُدار بالكورتيزول).
٢. العلاج المتخصص وإعادة المعالجة:
- العلاج المعرفي السلوكي الموجه للصدمات (TF-CBT): لكسر الأنماط السلبية وتغيير المعتقدات الهدامة عن الذات.
- علاج EMDR (إزالة حساسية حركة العين وإعادة المعالجة): أثبت فعاليته في مساعدة الدماغ على معالجة ذكريات الصدمة وتخفيف شحنتها العاطفية.
- التحقق من الواقع: يعمل المعالج على مساعدة الضحية على تفكيك الغاسلايتينغ الداخلي وإعادة بناء إحساسها بالواقع الموضوعي.
٣. إعادة بناء الهوية والقيمة الذاتية:
- تسمية الإساءة: الاعتراف بأن ما حدث كان “إساءة نرجسية” (وليس خطأ شخصي). هذا ينقل اللوم من الذات إلى سلوك النرجسي.
- تعلم الحدود: وضع وتطبيق حدود صحية وصلبة في العلاقات الجديدة، وتعلم أن الـ “لا” هي جملة كاملة لا تحتاج إلى تبرير.
المحور الخامس: C-PTSD والتحدي في سياق النرجسية بالعربي
تُضاعف العوامل الثقافية من صعوبة التعافي وتشخيص C-PTSD في المجتمعات العربية.
١. وصمة العار والإنكار الاجتماعي:
- صعوبة التعبير: قد تتردد الضحية في التعبير عن تفاصيل الإساءة (خاصة الزوجية) خوفاً من وصمة العار أو اللوم الاجتماعي. هذا الإنكار الاجتماعي يُعمق العزلة ويزيد من حدة C-PTSD.
- تضخم الحاجة للتعافي السري: تحتاج الضحية إلى التأكد من سرية وأمان مسار علاجها لتجنب الحكم الخارجي الذي قد يعيد تفعيل الصدمة.
٢. تحدي صدمة الترابط بعد الانفصال:
- التحويم (Hoovering): في السياق العربي، غالبًا ما يستخدم النرجسي العائلة أو الأصدقاء المشتركين كأدوات لـ “التحويم” (محاولة سحب الضحية مجدداً)، مما يعيق الابتعاد التام ويُعيد تفعيل أعراض C-PTSD.
الخلاصة: C-PTSD كتشخيص للنجاة
إن اضطراب ما بعد الصدمة المُعقد (C-PTSD) هو التشخيص الأدق للمعاناة التي يمر بها الناجون من العلاقات الطويلة مع النرجسي. إنه ليس مجرد قلق، بل هو دليل على تدمير منهجي حدث على أيدي من كان من المفترض أن يكون مصدر أمان. إن فهم C-PTSD والاعتراف بأن الأعراض (كالغضب، والاجترار، والشك في الذات) هي استجابات طبيعية لصدمة غير طبيعية، هو بداية رحلة التعافي.
النجاة من النرجسية تعني إعادة بناء الذات المُحطمة، وتثبيت الجهاز العصبي المُنهك، واستبدال الأكاذيب النرجسية بالواقع الصلب. هذه الرحلة الطويلة تتطلب دعمًا متخصصًا لتفكيك C-PTSD والتحرر من قبضة النرجسية بالعربي إلى الأبد.
لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

اترك تعليقاً