التعاطف – السلعة الأثمن في سوق التلاعب
يُعدّ التعاطف (Empathy) الركيزة الأساسية للصحة النفسية والعلاقات الإنسانية السليمة. ولكن بالنسبة لـ النرجسي (Narcissist)، فإن التعاطف ليس رابطًا عاطفيًا؛ بل هو “أداة” أو “قناع” يستخدمه ببراعة لتحديد نقاط ضعف الآخرين، وكسب الثقة، والحصول على الوقود النرجسي (Narcissistic Supply). إن ضحية النرجسي (Victim of Narcissism) غالبًا ما تقع في الفخ بسبب هذا “التعاطف الزائف” (Fake Empathy)، الذي يبدو حقيقيًا في البداية ولكنه يخلو من الجوهر والرحمة.
تهدف هذه المقالة المتعمقة، إلى تحليل كيفية عمل التعاطف الزائف الذي يستخدمه النرجسي. سنقوم بتفكيك الفرق الجوهري بين التعاطف المعرفي والعاطفي، وشرح الأهداف والتكتيكات التي يقوم عليها هذا القناع، وكيف يمكن لـ الضحية التمييز بينه وبين المشاعر الحقيقية. هذا التحليل ضروري لتمكين الأفراد الذين عانوا من النرجسية بالعربي من نزع القناع وكشف الحقيقة خلف التلاعب العاطفي.
المحور الأول: التمييز العلمي – التعاطف الزائف مقابل الحقيقي
لفهم التعاطف الزائف، يجب أولاً التمييز بين نوعي التعاطف التي يمتلكهما البشر. النرجسي يمتلك أحدهما ببراعة ويفتقر للآخر بشكل جذري.
١. التعاطف العاطفي (Emotional Empathy):
- التعريف: هو القدرة على “الشعور بما يشعر به الآخر” أو وضع نفسك في مكانه عاطفياً (Share the feeling). هذا يتطلب الرحمة، والتواضع، والقدرة على رؤية الآخر ككيان مستقل.
- الوضع لدى النرجسي: غائب أو ضعيف جداً. يُعتقد أن هذا النقص ناتج عن خلل في الخلايا العصبية المرآتية (Mirror Neurons) أو عن آليات دفاعية عميقة تمنع النرجسي من الشعور بضعف الآخرين خوفاً من تفعيل ضعفه الداخلي.
٢. التعاطف المعرفي (Cognitive Empathy):
- التعريف: هو القدرة على “فهم ما يفكر فيه الآخر” أو “توقع رد فعله” من منظور تحليلي ومنطقي. إنه أشبه بـ “قراءة دليل استخدام” لشخص آخر.
- الوضع لدى النرجسي: مُفرط ومُطوّر بذكاء. يستخدم النرجسي هذا التعاطف كـ مهارة مسح ضوئي (Scanning Skill) لتحديد نقاط ضعف الضحية، ونقاط ضغطها العاطفي، واحتياجاتها غير الملباة، والتي سيتم استغلالها لاحقًا.
- التعاطف الزائف: هو الاستخدام الأداتي لهذا “الذكاء العاطفي البارد” لخدمة مصالح النرجسي الذاتية.
المحور الثاني: أهداف التعاطف الزائف – لماذا يتكلف النرجسي العناء؟
لا يستخدم النرجسي التعاطف الزائف عبثاً؛ بل يخدم هذا القناع أهدافًا حاسمة في دورة الاستغلال.
١. تأمين الوقود النرجسي (Securing Supply):
- الهدف: التعاطف الزائف (خاصة في مرحلة القصف العاطفي) هو الطُعم الذي يجذب الضحية المُتعاطفة. الضحية تشعر بأنها “مفهومة” و”محبوبة”، فتفتح قلبها وتصبح مصدراً موثوقاً لـ الوقود النرجسي (الإعجاب، الوقت، التبرير).
٢. نزع سلاح الضحية (Disarming the Victim):
- الآلية: عندما يُظهر النرجسي التعاطف الزائف، فإنه يُنشئ شعورًا بـ “الأمان الزائف”. هذا يُلغي يقظة الضحية ويدفعها لتخفيض حدودها والوثوق به بشكل أعمق، مما يجعله يتمكن من الغاسلايتينغ أو التلاعب بسهولة أكبر في المراحل اللاحقة.
٣. الهروب من المساءلة (Avoiding Accountability):
- الاعتذار الزائف: عندما يُسيئ النرجسي، قد يُقدم “اعتذارًا زائفًا” يتضمن بعض التعاطف السطحي (“أنا آسف أنك تشعر بالضيق”). هذا التعاطف ليس ندمًا، بل هو تكتيك لإغلاق باب النقاش، وإلغاء مسؤولية النرجسي عن أفعاله، واستعادة السيطرة.
المحور الثالث: كيف يبدو التعاطف الزائف – علامات كشف القناع
هناك علامات واضحة تميز التعاطف الزائف عن الصدق العاطفي. هذه العلامات تكون بارزة بشكل خاص في سياق النرجسية بالعربي حيث يكثر اللجوء للمظاهر الاجتماعية.
| العلامة الجوهرية | التعاطف الزائف (النرجسي) | التعاطف الحقيقي (الصحي) |
| التركيز على الذات | يُحوّل النقاش إلي نفسه فورًا: “هذا يذكرني بوقت مررت فيه [بشيء أسوأ].” | يُبقي التركيز على المتحدث ويستمع بهدوء. |
| العمق والعمل | سطحي ولفظي: يستخدم عبارات عامة (“أنا أتفهم تماماً”) لكنه لا يتبعه أي عمل أو تضحية. | مُتجسد ومُستعد للعمل: يظهر استعدادًا لتقديم الدعم أو التضحية بالوقت. |
| التوقيت | يظهر فقط عندما يحتاج النرجسي لشيء (مال، خدمة، أو وقود بعد إساءة). | يظهر باستمرار، ولا يحتاج إلى سبب أو منفعة. |
| الاعتذار | “اعتذار مشروط”: “أنا آسف إذا كنت تشعر بالضيق، لكن [يبرر فعله].” | اعتذار مسؤول: “أنا آسف لأن فعلي سبب لك ألماً، وأنا مسؤول عن ذلك.” |
| النبرة | يبدو متدربًا، دراميًا، وقد يظهر عاطفة مبالغًا فيها (دموع مصطنعة أو حزن مُبالغ فيه). | هادئ، متوازن، وصادق. |
المحور الرابع: التعاطف الزائف كـ “سلاح الإسقاط”
يستخدم النرجسي قناع التعاطف الزائف لتعزيز تكتيك الإسقاط (Projection)، مما يجعل الضحية تحمل عيوبه.
١. اختبار التعاطف المفرط:
عندما يواجه النرجسي الضحية بأزمة (سواء كانت مُختلقة أو حقيقية)، فإنه يختبرها ليرى مدى تعاطفها:
- الاختبار: يلوم النرجسي شريكه السابق أو زميله على فشل ما.
- الضحية الحقيقية: تُبدي تعاطفاً شديداً مع قصته.
- الهدف: عندما يتم اتهام النرجسي لاحقًا بعيب، فإن الضحية ستتعاطف معه وتقبل الإسقاط، لأنه “شخص مجروح يحتاج إلى من يفهمه.”
٢. التعاطف الزائف بعد التقليل من الشأن:
بعد أن يمارس النرجسي التقليل من شأن (Devaluation) الضحية، قد يُظهر تعاطفًا زائفًا للتخفيف من حدة الضرر:
- السيناريو: يُهين النرجسي الضحية علناً. ثم في مكان خاص، يقول: “أنا آسف، أنتِ تعرفين كم أحبك، لكنني مررت بضغوط شديدة اليوم.” (يستخدم التعاطف الزائف لتبرير الإساءة).
- النتيجة: ترتبط الإساءة بـ التعاطف (صدمة الترابط)، مما يُبقي الضحية في حالة إدمان عاطفي.
المحور الخامس: الحماية من التعاطف الزائف في النرجسية بالعربي
تزيد العوامل الاجتماعية والثقافية من صعوبة التمييز بين التعاطف الزائف والحقيقي.
١. استغلال الواجب والتضحية:
في سياق النرجسية بالعربي، قد يتنكر التعاطف الزائف في صورة “الواجب” أو “التضحية”.
- العبارة: “أنا أتفهم كم أنتِ متعبة، ولهذا السبب يجب أن أتحمل كل هذا الضغط لأجلك.” (تعاطف زائف يُبرر السيطرة أو الفضل).
- التحليل: هذا التعاطف لا يهدف إلى تخفيف عبء الضحية، بل يهدف إلى إثبات أن النرجسي هو الشخص القوي والمُضحّي الذي يجب تقديره.
٢. قوة الاستماع للجسد (Somatic Awareness):
- تجاوز الكلمات: يجب على الضحية أن تتعلم الثقة في استجابة جسدها لـ التعاطف الزائف. عندما يكون التعاطف صادقًا، تشعر الضحية بالهدوء والراحة. عندما يكون زائفًا، قد تشعر الضحية بالقلق، أو التوتر، أو الانقباض في البطن، أو فرط اليقظة، حتى لو كانت الكلمات تبدو محبة. هذا الوعي الجسدي هو مفتاح كسر التلاعب.
٣. التركيز على الأفعال لا الكلمات:
- القاعدة: التعاطف الحقيقي يترجم إلى سلوك داعم على المدى الطويل (المسؤولية، التضحية، الدعم المالي والعاطفي). التعاطف الزائف يختفي بمجرد انتهاء حاجة النرجسي. يجب تقييم العلاقة بناءً على النتائج والسلوكيات وليس على العبارات العاطفية.
الخلاصة: التعاطف الزائف هو الوجه الأكثر تدميراً
الفرق بين التعاطف الزائف لـ النرجسي والتعاطف الحقيقي هو كالفرق بين القناع والوجه. التعاطف الزائف هو استخدام ذكي ومُتقن للذكاء المعرفي لغرض وحيد هو الاستغلال والسيطرة والحصول على الوقود النرجسي. إنه يمثل الوجه الأكثر تدميراً للنرجسية لأنه يقوض الثقة الأساسية ويخلق صدمة الترابط.
النجاة من هذا التلاعب تبدأ بـ التعليم. يجب على ضحية النرجسي أن تدرك أن الشعور بالراحة والأمان لا يكفي؛ يجب أن يتبعه سلوك ثابت ومسؤول. بتعلم الثقة في غريزتها واستجابة جسدها، والتركيز على الأفعال بدلاً من الكلمات، يمكن لـ الضحية أن تنزع هذا القناع القاتل وتتحرر من قبضة النرجسية بالعربي.
لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

اترك تعليقاً