تقدير الذات – الركيزة التي يهاجمها النرجسي
يُعدّ تقدير الذات (Self-Esteem)، أي القيمة التي يمنحها الفرد لذاته وإيمانه بكفاءته وقدرته على استحقاق الحب والاحترام، الركيزة الأساسية للصحة النفسية. وعندما يتعلق الأمر بعلاقة طويلة الأمد مع النرجسي (Narcissist)، فإن الإجابة على سؤال “هل يُفقدك النرجسي تقديرك لذاتك بمرور الوقت؟” هي نعم قاطعة ومأساوية. فالنرجسية ليست مجرد إساءة عرضية؛ بل هي عملية تدمير ممنهج وواعي تهدف إلى إفراغ الضحية (Victim) من قيمتها الذاتية، وتحويلها إلى كائن تابع وهش يعتمد كلياً على النرجسي لتحديد قيمته وواقعه.
تهدف هذه المقالة المتعمقة، إلى تحليل كيفية عمل هذا التدمير البطيء لتقدير الذات. سنقوم بتفكيك التكتيكات النرجسية التي تستهدف قيمة الضحية (كـ التقليل من الشأن والغاسلايتينغ)، وشرح كيف يؤدي هذا التدمير إلى فقدان الإحساس بالهوية الذاتية وتثبيت اللغة الداخلية المُعادية. هذا التحليل ضروري لتمكين الأفراد الذين عانوا من النرجسية بالعربي من تحديد الضرر وبدء رحلة استعادة تقدير الذات المفقود.
المحور الأول: تقدير الذات في نظر النرجسي – التهديد الوجودي
بالنسبة للنرجسي، فإن تقدير الذات الصحي لدى الضحية لا يُعدّ أمراً مرحباً به؛ بل هو تهديد يجب تحييده.
١. السبب النرجسي: الهشاشة الداخلية:
- الدافع: النرجسي يعاني من هشاشة داخلية عميقة وانخفاض حقيقي في تقدير الذات (يختبئ خلف قناع الذات الزائفة). لكي يشعر النرجسي بالعظمة والقيمة، يجب أن يكون الآخرون أقل منه.
- الآلية: إذا كانت الضحية تملك تقدير ذات عالياً، فإنها ستضع حدوداً، ولن تقبل النقد المُدمّر، ولن تعتمد على النرجسي لتحديد قيمتها. هذا يُشكّل تهديداً وجودياً لأنه يُعطل مصدر الوقود النرجسي (Narcissistic Supply).
٢. عملية “الإفراغ والملء” (Empty and Fill):
- التكتيك: يعتمد النرجسي على استراتيجية “الإفراغ والملء”. يجب أن يقوم أولاً بـ “إفراغ” تقدير الذات لدى الضحية عبر النقد والتلاعب، ثم يقوم بـ “ملء” هذا الفراغ بتقدير ذات زائف ومُشروط يعتمد كلياً على النرجسي (القصف العاطفي المتقطع).
- النتيجة: تصبح الضحية معتمدة بشكل مرضي على النرجسي (صدمة الترابط) لتحديد قيمتها: “أنا جيد/ة فقط عندما يمدحني النرجسي.”
المحور الثاني: آليات التدمير المنهجي لتقدير الذات (الأدوات النرجسية)
يستخدم النرجسي مجموعة من الأدوات النفسية الممنهجة التي تضمن تآكل تقدير الذات بمرور الوقت.
١. التقليل من الشأن (Devaluation) – نقد الهوية:
- الآلية: يبدأ النرجسي في توجيه نقد لاذع ومستمر ليس لأفعال الضحية فحسب، بل لـ جوهر شخصيتها (نقد الهوية). “أنتِ غبية”، “أنتِ ضعيفة”، “أنتِ بلا طموح”.
- التأثير: هذا النقد يُستوعب داخلياً ليصبح حقيقة. تتوقف الضحية عن التفكير: “إنه ينتقدني”، وتبدأ في التفكير: “أنا حقاً غبي/ة وغير كفؤ/ة”. هذا هو التدمير المباشر لتقدير الذات.
٢. الغاسلايتينغ (Gaslighting) – تدمير الثقة الذاتية:
- الآلية: إنكار الواقع بشكل مستمر وتشويه الذاكرة، مما يُقنع الضحية بأن إدراكها للأحداث خاطئ.
- التأثير: تفقد الضحية الثقة الأساسية (Basic Trust) في نفسها. إذا لم تستطع الوثوق في عقلها وذاكرتها، فإنها لا تستطيع الوثوق في حكمها على أي شيء، بما في ذلك تقديرها لذاتها. تُصبح الضحية غير قادرة على التعبير عن “ماذا أحب وماذا أريد” خوفاً من أن يتم إنكار رغباتها.
٣. الإسقاط (Projection) – زرع الذنب والخجل:
- الآلية: ينسب النرجسي عيوبه الداخلية (الخيانة، الغضب، الكذب) إلى الضحية، مع إقناعها بأنها هي التي تعاني من هذه المشاكل.
- التأثير: يتم زرع الذنب السام (Toxic Shame) في الضحية: “أنا شخص سيئ، وهذا هو سبب الإساءة إليّ.” الخجل هو أقوى مُدمّر لتقدير الذات.
٤. فقدان الإحساس بالهوية الذاتية وتحديد القيمة بالوظيفة:
- الآلية: يتم إفراغ الضحية من هواياتها وأصدقائها ورغباتها، ويتم اختزال هويتها في وظيفة واحدة: “إرضاء النرجسي”.
- التأثير: يصبح تقدير الذات مشروطاً بأداء هذه الوظيفة. عندما تفشل الضحية في إرضاء النرجسي، ينهار تقديرها لذاتها بالكامل. هذا يؤدي إلى الفراغ الوجودي بعد الانفصال.
المحور الثالث: التداعيات الداخلية – الذاكرة واللغة الداخلية المُعادية
يتحول التدمير الخارجي لتقدير الذات إلى آليات داخلية تستمر في العمل حتى بعد الانفصال.
١. اللغة الداخلية كـ “صوت النرجسي“:
- الآلية: يستوعب العقل اللغة المُعادية لـ النرجسي لتتحول إلى لغة داخلية مُعادية (Internal Monologue) وغاسلايتينغ داخلي.
- التأثير: حتى في غياب النرجسي، تستمر الضحية في ممارسة نقد ذاتي قاسٍ (أنا فاشل، أنا أحمق، أنا لا أستحق). هذا الصوت الداخلي يمنع أي محاولة لاستعادة تقدير الذات.
٢. الاجترار العقلي وإثبات النقص:
- الآلية: الاجترار العقلي (Rumination) يغذي النقص. تبدأ الضحية في مراجعة الماضي باستمرار في محاولة لإثبات أن النرجسي كان على حق وأنها كانت هي السبب في الإساءة.
- التأثير: هذا الاجترار يثبت النسخة السلبية من الذات التي زرعها النرجسي، مما يزيد من صعوبة التعافي من C-PTSD.
٣. صعوبة تنظيم العاطفة واللوم الذاتي:
- الآلية: تفقد الضحية القدرة على تنظيم مشاعرها بشكل صحي، مما يؤدي إلى نوبات غضب أو بكاء.
- التأثير: يتدخل الصوت الداخلي ليقول: “أنتِ ضعيفة ومريضة عقلياً”. هذا اللوم الذاتي يزيد من الشعور بالخجل ويدمر ما تبقى من تقدير الذات.
المحور الرابع: استعادة تقدير الذات – خطة البناء
تتطلب استعادة تقدير الذات عملية واعية لإلغاء القواعد التي فرضها النرجسي والبدء في التثبيت الذاتي المتواصل.
١. الابتعاد التام كـ “وقف للنزيف”:
- الخطوة الأولى: لا يمكن لأي عملية بناء أن تبدأ طالما أن التدمير مستمر. الابتعاد التام (No Contact) هو أول خطوة لوقف النزيف النفسي وقطع مصدر النقد.
٢. تحدي اللغة الداخلية المُعادية (CBT):
- تسمية الصوت: تحديد أن الصوت الداخلي هو “صوت النرجسي المُكتسَب” وليس الذات الحقيقية.
- التفنيد المعرفي: استخدام العلاج المعرفي السلوكي (CBT) لتحدي الأفكار السلبية بشكل مباشر بالأدلة: “الدليل يثبت أنني ناجح/ة في العمل، وهذا النقد غير حقيقي.”
٣. إعادة بناء الكفاءة الذاتية (Self-Efficacy):
- الإنجازات الصغيرة: الانخراط في أنشطة صغيرة ومُتعمدة يومياً تُثبت أن الضحية كفؤة وقادرة على الإنجاز بمعزل عن النرجسي (الرياضة، إكمال مهمة عمل، تعلم مهارة جديدة).
- الهدف: استبدال الشعور بالذنب والخجل بالشعور بالفخر والكفاءة.
٤. بناء التعاطف الذاتي (Self-Compassion):
- الرحمة: بدلاً من النقد القاسي، يجب على الضحية أن تُعامل نفسها باللطف والرحمة التي كانت تمنحها للآخرين. هذا يكسر دائرة اللوم الذاتي السام.
المحور الخامس: النرجسية بالعربي واستعادة القيمة الاجتماعية
في السياق العربي، يرتبط تقدير الذات بالمكانة الاجتماعية، مما يُعقد عملية الاستعادة.
١. تدمير القيمة الاجتماعية:
- الآلية: قد يُركز النرجسي على التقليل من شأن الضحية في محيطها الاجتماعي (أسرتها، أصدقائها) لضمان أن تبقى معزولة وتقديرها لذاتها مرتبطاً به وحده.
- التحرر: يجب على الضحية إعادة بناء علاقاتها مع الأصدقاء الداعمين الذين يقدمون التثبيت العاطفي الحقيقي.
٢. الوصمة والشك الذاتي:
- الآلية: الخوف من الوصمة الاجتماعية (فشل العلاقة) يزيد من اللوم الذاتي لدى الضحية: “أنا فاشل/ة في أهم شيء.”
- الحل: يجب الاعتراف بأن تقدير الذات لا ينبع من نجاح العلاقة، بل من النجاة منها.
الخلاصة: تقدير الذات هو أرض المعركة الأخيرة
هل يُفقدك النرجسي تقديرك لذاتك بمرور الوقت؟ نعم، بشكل ممنهج ومتعمد، عبر التقليل من الشأن والغاسلايتينغ وزرع الخجل السام في النفس.
التحرر الكامل من قبضة النرجسية يعني استعادة تقدير الذات المفقود. هذه العملية تتطلب الشجاعة لـ قطع العلاقة (الابتعاد التام)، ومواجهة اللغة الداخلية المُعادية بـ التحدي المعرفي، وإعادة بناء الكفاءة الذاتية خطوة بخطوة. يجب أن تدرك الضحية أن قيمتها جذرية وغير قابلة للتفاوض، وأن تدمير النرجسي لقيمتها كان مجرد انعكاس لخوفه، وليس دليلاً على الحقيقة في مواجهة النرجسية بالعربي.
لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

اترك تعليقاً