لوقود النرجسي – الشريان الوجودي للاضطراب
يُعدّ الوقود النرجسي (Narcissistic Supply) هو الأكسجين الوجودي لـ النرجسي (Narcissist)؛ بدونه، تنهار ذاته الزائفة الهشة. ويأتي هذا الوقود في شكلين رئيسيين: إيجابي (الإعجاب، المديح، الشهرة) وسلبي (الدموع، الغضب، الدراما، الخوف). في حين أن النرجسي الظاهر قد يبدو أنه لا يسعى إلا للإعجاب، فإن السؤال الحقيقي هو: هل صحيح أن النرجسي يحب الوقود السلبي (الدموع والغضب) أكثر؟ الإجابة تكمن في الكفاءة والسيطرة التي يمنحها هذا النوع من الوقود. غالبًا ما يكون الوقود السلبي هو المفضل والأكثر اعتمادية لضمان استمرارية العلاقة السامة.
تهدف هذه المقالة المتعمقة، إلى تحليل تفضيل النرجسي للوقود السلبي، وتفكيك الآليات النفسية والبيولوجية التي تجعل دموع وغضب ضحية النرجسي (Victim of Narcissism) بمثابة “مكافأة” له. سنشرح لماذا يُعدّ الوقود السلبي أكثر ضمانًا، وكيف يرتبط هذا التفضيل بتكتيكات التلاعب والسيطرة التي يمارسها النرجسي على ضحاياه. هذا التحليل ضروري لتمكين الأفراد الذين عانوا من النرجسية بالعربي من التوقف عن إمداد النرجسي بالدراما.
المحور الأول: مفهوم الوقود النرجسي – الطاقة مقابل السيطرة
للتأكد من تفضيل النرجسي للوقود السلبي، يجب مقارنة الخصائص والمنفعة لكل نوع.
١. الوقود الإيجابي (Positive Supply):
- المصدر: الإعجاب، المديح، الشهرة، التفخيم.
- المنفعة: يُغذي وهم العظمة والذات الزائفة بشكل مباشر.
- المشكلة النرجسية: غير مضمون وغير مُستدام. يعتمد على أداء النرجسي الجيد (الفوز، النجاح) وعلى رغبة الآخرين في المديح. إذا فشل النرجسي أو إذا توقف الجمهور عن التصفيق، ينهار هذا المصدر.
٢. الوقود السلبي (Negative Supply):
- المصدر: الدموع، الغضب، الخوف، القلق، اليأس، الدراما.
- المنفعة: يُغذي السيطرة والقوة والتفوق المطلق على الضحية.
- الميزة النرجسية: مضمون ومُستدام. يستطيع النرجسي الحصول عليه في أي وقت وبأي وسيلة (نقد، غاسلايتينغ، خيانة) دون الحاجة إلى “أداء” جيد.
٣. خلاصة التفضيل: الأمان والسيطرة:
يفضل النرجسي الوقود السلبي لأنه يضمن له الأمان الوجودي. الحصول على الوقود السلبي يعني أن النرجسي مسيطر تماماً على مشاعر الضحية، وهي دليله الأقوى على أنه شخص مهم ومؤثر.
المحور الثاني: الآليات النفسية – لماذا تُعدّ الدموع “مكافأة”؟
تُترجم المشاعر السلبية للضحية إلى شعور بالقوة والانتصار داخل العقل النرجسي.
١. إثبات السيطرة المطلقة:
- الآلية: عندما تبكي الضحية أو تغضب، فإنها تعطي النرجسي دليلاً لا يقبل الجدل على أن “كلماتي وأفعالي قادرة على تدميرك”.
- التأثير: هذا الشعور بـ السيطرة المطلقة يُثبت لـ النرجسي أنه قوي ومُهيمن، ويُقلل من الشعور الداخلي بالضعف والهشاشة.
٢. تفريغ “الخجل والغضب النرجسي”:
- الإسقاط (Projection): النرجسي لديه غضب داخلي مكبوت وخجل سام (Toxic Shame) تجاه نفسه. هو لا يستطيع تحمل هذه المشاعر.
- التفريغ: عندما يرى النرجسي الضحية غاضبة أو باكية، فإنه يفسر ذلك على أنه “تفريغ” لغضبه هو نفسه أو خجله. بعبارة أخرى، الضحية هي من تحمل الغضب والوجع، مما يجعل النرجسي يشعر بالخلاص والراحة.
٣. تأكيد عدم المسؤولية (الغاسلايتينغ):
- الآلية: النرجسي يثير الدراما ثم يستخدم رد فعل الضحية الغاضب أو الباكي كدليل على أن “الضحية غير مستقرة عاطفياً” أو “حساسة جداً”.
- النتيجة: هذا يُعزز رواية النرجسي الاجتماعية: “أنا هادئ، وهي/هو مجنون/ة”، مما يسمح له بالهروب من المساءلة وممارسة الغاسلايتينغ بنجاح.
المحور الثالث: الوقود السلبي وصدمة الترابط – الإدمان على الدراما
يُعدّ الوقود السلبي العنصر الأساسي في تثبيت صدمة الترابط (Trauma Bonding).
١. التذبذب البيولوجي وإدمان الأدرينالين:
- الآلية: الوقود السلبي يرفع مستويات الأدرينالين والكورتيزول في جسم النرجسي والضحية. هذا يمنح النرجسي شعوراً بـ “الإثارة” (وهو ما يفسره خطأً كـ “شغف”) ويُبقي الضحية في حالة فرط يقظة دائمة.
- الإدمان: يُصبح النرجسي مُدمناً على “الدراما” و**”الإثارة”** التي يوفرها الغضب والقتال.
٢. اللذة المُعلنة والمُقنّعة:
- الضحية النرجسية: غالبًا ما يجد النرجسي “لذة” في رؤية ألم الضحية، خاصة إذا كانت الضحية جميلة أو ناجحة (وقود نوعي). هذا الألم يُلغي التهديد النرجسي الكامن ويُعزز الشعور بالتفوق.
- التعاطف الزائف: بعد الحصول على الوقود السلبي الكافي (الدموع)، قد يُقدم النرجسي تعاطفاً زائفاً أو اعتذاراً بارداً. هذا “التعزيز المتقطع” هو ما يربط الألم بـ “الأمان” ويعزز صدمة الترابط.
المحور الرابع: استراتيجيات التحرر – تجفيف مصدر الوقود السلبي
لجعل النرجسي “يندم” على الخسارة، يجب حرمانه بشكل كامل من الوقود السلبي الذي يفضله.
١. تطبيق “اللون الرمادي” (Gray Rock Method):
- الآلية: عند مواجهة محاولة لخلق الدراما أو الغضب، يجب أن تتحول الضحية إلى شخصية مملة، محايدة، وغير عاطفية (كالصخرة الرمادية). لا تُظهر أي مشاعر، لا غضب، ولا دموع، ولا تبرير.
- الردود: “مفهوم.”، “حسناً.”، “سأفكر في الأمر لاحقاً.”
- النتيجة: هذا السلوك يُبطل فاعلية الوقود السلبي. عندما لا يُقدم الضحية الغضب أو الدموع، يشعر النرجسي بالإحباط والملل ويبدأ في الانسحاب.
٢. الابتعاد التام وقطع الوصول للدراما:
- الهدف: الابتعاد التام (No Contact) هو الإجراء الأكثر حسمًا لقطع جميع مصادر الوقود السلبي والإيجابي.
- التحصين: لا يمكن لـ النرجسي أن يكرهك أو يندم عليك إذا لم يتمكن من الوصول إليك لإعادة تفعيل الدراما.
٣. توجيه الطاقة العاطفية نحو التعافي:
- تغيير التركيز: بدلاً من إهدار الطاقة في الاجترار العقلي واللوم الذاتي، يجب توجيهها نحو استعادة تقدير الذات وبناء الثقة الأساسية.
- النتيجة: يصبح “نجاح الضحية” الهادئ هو أقوى شكل من أشكال “الوقود السلبي” الذي يُرغم النرجسي على الشعور بـ “ندم الخسارة” (لأنه لم يعد يستطيع السيطرة عليها).
المحور الخامس: الوقود السلبي في سياق النرجسية بالعربي
في هذا السياق، يزداد تفضيل النرجسي للوقود السلبي بسبب الدوافع الاجتماعية.
١. وقود “التضحية” و”الذنب”:
- الآلية: يستخدم النرجسي لعب دور الضحية (Pity Play) ببراعة في هذا السياق، مما يثير الذنب السام لدى الضحية ويدفعها للبكاء أو الغضب. هذا الذنب هو وقود سلبي عالي الجودة.
- الحل: يجب على الضحية أن تدرك أن الشعور بالذنب هو تلاعب، وأن التعاطف الذاتي هو السلاح الأفضل ضد الذنب.
٢. الدراما كـ “سلطة”:
- التأثير: بالنسبة للنرجسي، فإن إثارة غضب الضحية أو دموعها علناً يُعدّ دليلاً على “سلطته” وقوته في العلاقة.
الخلاصة: الوقود السلبي هو توقيع النرجسي
هل صحيح أن النرجسي يحب الوقود السلبي أكثر؟ نعم، هو يفضله لأنه الأكثر ضماناً، والأسرع حصاداً، والأقوى في إثبات السيطرة المطلقة على الضحية. الدموع والغضب ليست إلا تأكيداً لـ النرجسي على أنه شخص “مهم” يستحق أن يتفاعل معه الآخرون بعنف.
التحرر من هذا السجن العاطفي يبدأ بـ الامتناع المطلق عن الوقود السلبي. عبر الإصرار على الابتعاد التام وتطبيق اللون الرمادي، يمكن لـ ضحية النرجسي أن تجفف مصدر الدراما، مما يجبر النرجسي على الانسحاب، مدركاً أن “أفضل وقود” له قد أصبح منيعاً وبعيد المنال في مواجهة النرجسية بالعربي.
لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

اترك تعليقاً