فخ “رد الفعل” – سيكولوجية الانفجار المخطط له
هل وجدت نفسك يوماً تصرخ في وجه شخص ما، فاقداً السيطرة على أعصابك، بينما يقف هو أمامك بهدوء تام، يرفع حاجبيه بذهول، ويقول لك ببرود قاتل: “لماذا أنت غاضب هكذا؟ أنت حقاً تحتاج للمساعدة!”؟ إذا كانت الإجابة نعم، فأنت على الأرجح ضحية لواحد من أكثر تكتيكات النرجسية خبثاً، وهو “الاستثارة المتعمدة” المتبوعة بـ “البراءة المصطنعة”.
في عالم النرجسية بالعربي، يُعرف هذا السلوك بقلب الطاولة؛ حيث يقوم النرجسي (Narcissist) بدفعك نحو الحافة بكل قوته، وعندما تسقط أو تنفجر، يرتدي قناع الضحية أو الشخص العقلاني، ليجعلك تبدو أنت “المعتدي” وهو “الضحية البريئة”.
المحور الأول: “الإساءة الارتكاسية” – كيف يُخرج النرجسي أسوأ ما فيك؟
قبل أن نفهم لماذا يدعي النرجسي البراءة، يجب أن نفهم كيف يوصلك إلى حالة الانفجار. يسمى هذا المصطلح علمياً بـ “الإساءة الارتكاسية” (Reactive Abuse).
١. الضغط المستمر على “أزرار الألم”
يعرف النرجسي نقاط ضعفك بدقة مذهلة (بفضل مرحلة القصف العاطفي السابقة). يقوم بوخزك نفسياً عبر كلمات مهينة، تجاهل متعمد، أو نقد مبطن لساعات أو أيام.
٢. تكتيك “النقر بالقطارة”
هو لا يهاجمك دفعة واحدة، بل يمارس مضايقات صغيرة ومستمرة تجعل جهازك العصبي في حالة فرط يقظة (Hypervigilance). عندما تنفجر في النهاية بسبب “تراكم” هذه الضغوط، يختار هو تلك اللحظة بالذات ليتوقف عن الإساءة ويبدأ في المراقبة.
٣. غياب الشهود
غالباً ما يحدث الاستفزاز في الخفاء، لكن الانفجار (رد فعلك) غالباً ما يكون صاخباً وقد يراه الآخرون. هذا يخدم النرجسي في حملات التشويه لاحقاً.
المحور الثاني: لماذا يرتدي النرجسي قناع البراءة بعد العاصفة؟
هناك أهداف سيكولوجية وظيفية لهذا التحول المفاجئ في سلوك النرجسي:
١. الغاسلايتينغ (Gaslighting) وإعادة كتابة الواقع
عندما يتصرف ببراءة، فإنه يجعلك تشك في ذاكرتك. “أنا لم أقل ذلك”، “أنت تتخيل الأمور”. بمرور الوقت، تبدأ في تصديق أنك أنت المشكلة، وأنك شخص “غير متزن” أو “عصبي بطبعه”، مما يدمر تقدير الذات لديك.
٢. الحصول على “الوقود النرجسي” السلبي
رؤيتك منهاراً، فاقداً للأعصاب، ومتوسلاً للتفاهم بينما هو في وضع السيطرة والهدوء، يمنحه شعوراً هائلاً بالقوة. هذا هو الوقود النرجسي الذي يغذي شعوره بالتفوق؛ فهو يثبت لنفسه أنه يمتلك “جهاز التحكم” في مشاعرك.
٣. الإسقاط (Projection)
بدلاً من الاعتراف بغضبه وعدوانيته، يقوم بـ إسقاط هذه الصفات عليك. هو يجعلك تغضب بالنيابة عنه، ثم ينتقدك على هذا الغضب. هكذا يظل هو “الكمال” في عينه، وتظل أنت “المعيب”.
٤. تثبيت “صدمة الترابط” (Trauma Bonding)
بعد الانفجار، غالباً ما تشعر بالذنب لأنك “فقدت أعصابك”. هنا يتدخل النرجسي بـ “براءته” ليقدم لك “المغفرة” المشروطة. هذا التذبذب بين الإساءة والهدوء يخلق إدماناً كيميائياً في دماغك يجعلك تلتصق به أكثر.
المحور الثالث: التأثيرات البيولوجية والجسدية للضحية
التعرض لهذا النوع من التلاعب الممنهج يدمر الجسد حرفياً:
- اضطراب الكورتيزول: بقاء الجسد في حالة دفاع دائمة يرفع مستويات هرمون الإجهاد، مما يؤدي إلى التعب المزمن وضعف المناعة.
- تلف “الحصين” في الدماغ: الإجهاد المستمر يؤدي إلى ضبابية التفكير وصعوبة تذكر التفاصيل، مما يسهل على النرجسي ممارسة الغاسلايتينغ.
- الاستنزاف العصبي: الشعور بالذنب بعد الانفجار يؤدي إلى حالة من “الجمود” (Freeze) أو “الاسترضاء” (Fawn)، وهي آليات بقاء تجعل الضحية تفقد هويتها تدريجياً.
المحور الرابع: كيف تخرج من فخ “رد الفعل” وتكشف القناع؟
لكي تحمي أعصابك من السرقة، يجب أن تغير قواعد اللعبة:
١. لا تعطهِ “الوقود” (استراتيجية اللون الرمادي)
عندما يبدأ الاستفزاز، كن مملاً كصخرة رمادية. لا تدافع عن نفسك، لا تشرح، ولا تبكِ أمامه. عندما لا يجد رد فعل، يفشل تكتيكه في قلب الطاولة.
٢. وثق الحقيقة لنفسك
سجل ما يحدث (كتابة أو صوتاً) للعودة إليه عندما يبدأ في ادعاء البراءة. هذا التوثيق يحميك من الغاسلايتينغ الداخلي ويذكرك بأنك لست “المجنون”.
٣. اخرج من الغرفة
بمجرد شعورك بأن جهازك العصبي بدأ في التوتر، انسحب فوراً. لا تنتظر حتى تصل لنقطة الانفجار؛ لأن تلك النقطة هي “جائزة” النرجسي التي ينتظرها.
٤. علاج الصدمة (C-PTSD)
إذا كنت تجد نفسك تنفجر بسهولة، فهذا يعني أنك تعاني من جروح عميقة. العمل مع متخصص في صدمة ما بعد الإجهاد المعقدة سيساعدك على استعادة الهدوء لدرجة أن استفزازات النرجسي لن تعد قادرة على اختراقك.
الخلاصة: هدوؤه ليس براءة.. بل هو سلاح
براءة النرجسي بعد العاصفة هي الجزء الأكثر تدميراً في دورة الإساءة؛ لأنها تسرق منك حقك في الشعور بالألم وتجعلك تحمل وزر أخطائه. تذكر دائماً: الشخص الذي دفعك للجنون لا يحق له أن يصفك بالمجنون عندما تصرخ من الألم.
استعادة هدوئك وابتسامتك تبدأ من اللحظة التي تدرك فيها أن “أسوأ ما فيك” ليس طبعاً أصيلاً، بل هو “رد فعل” لبيئة سامة، وأن شفاءك يبدأ بـ الابتعاد التام أو النفسي عن هذا المصدر.
لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

اترك تعليقاً