قدسية الأمومة مقابل واقع الاضطراب
في الثقافة الإنسانية عموماً، وفي مجتمعاتنا العربية خصوصاً، تُحيط بالأم هالة من التضحية المطلقة والإيثار. لكن، عندما تعاني الأم من اضطراب الشخصية النرجسية، تنقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. السؤال الذي يطرحه الكثير من الأبناء الناجين هو: “هل تعتبر الأم النرجسية نفسها أهم من أطفالها؟”.
الإجابة من المنظور السيكولوجي هي نعم قاطعة؛ فالأصل في النرجسية هو التمحور حول الذات (Egocentrism). بالنسبة للأم النرجسية، الأطفال ليسوا كيانات مستقلة لها احتياجات ومشاعر، بل هم “ملحقات” (Extensions) لذاتها، وظيفتهم الوحيدة هي تلبية احتياجاتها العاطفية وتحسين صورتها أمام العالم.
تستعرض هذه المقالة المتعمقة كيف تمارس الأم النرجسية سلطتها، ولماذا تضع احتياجاتها فوق احتياجات أطفالها، والآثار المدمرة لـ فقدان الثقة الأساسية لدى الأبناء.
المحور الأول: سيكولوجية الاستحقاق – “أنا أولاً، ودائماً”
المحرك الأساسي لسلوك الأم النرجسية هو شعور عميق بالاستحقاق (Sense of Entitlement). هي تؤمن داخلياً بأنها منحت الحياة لأطفالها، وبالتالي فهم “مدينون” لها بالخضوع المطلق والتفرغ التام لإرضائها.
- الاحتياجات العاطفية المعكوسة: في العلاقة الصحية، الأم هي من ينظم مشاعر الطفل. في حالة الام النرجسية، يُجبر الطفل على تنظيم مشاعر الأم (Parentification). إذا كانت حزينة، يجب على الجميع أن يحزن، وإذا كانت غاضبة، يجب على الأطفال امتصاص هذا الغضب.
- الأطفال كأدوات للوقود: تعتبر الأم أطفالها مصدراً دائماً لـ الوقود النرجسي (Narcissistic Supply). نجاحهم هو نجاحها هي، وفشلهم هو إهانة شخصية لها. هي لا تحب طفلها لذاته، بل لما يعكسه من “بريق” عليها أمام المجتمع.
- المنافسة مع الأبناء: لأنها تعتبر نفسها الأهم، قد تشعر بـ الحسد النرجسي تجاه ابنتها الشابة أو ابنها الناجح. هي لا تتردد في تحطيم ثقتهم بأنفسهم إذا شعرت أنهم بدأوا يسحبون البساط من تحت قدميها.
المحور الثاني: أساليب السيطرة – كيف تفرض “أهميتها”؟
تستخدم الأم النرجسية ترسانة من الأسلحة النفسية لضمان بقائها في المركز:
١. الغاسلايتينغ الأمومي (Maternal Gaslighting)
عندما يشتكي الطفل من إهمالها أو قسوتها، تستخدم تكتيك الغاسلايتينغ لقلب الطاولة: “أنت تتخيل الأمور”، “أنا ضحيت بعمري لأجلك وأنت جاحد”. هذا يجعل الأبناء يكبرون وهم يعانون من الشك في الذات وعدم القدرة على الثقة بمشاعرهم.
٢. الابتزاز العاطفي بالذنب
تُقايض الأم النرجسية الحب بالولاء. “إذا كنت تحبني حقاً، لن تفعل كذا”. هي تجعل أطفالها يشعرون بأنهم مسؤولون عن سعادتها أو بؤسها، وهو حمل ثقيل يؤدي لاحقاً إلى صدمة ما بعد الإجهاد المعقدة (C-PTSD).
٣. التثليث (Triangulation) والمقارنة
تخلق صراعات بين الإخوة (الابن الذهبي مقابل كبش الفداء). من خلال جعل الأبناء يتنافسون على رضاها، تضمن أن يظل الجميع منشغلاً بها وبإرضائها، مما يُعزز شعورها بأنها “الأهم” والمحور الذي يدور حوله الجميع.
المحور الثالث: التأثير البيولوجي والنفسي على الأبناء
نشوء الطفل في بيئة تعتبر فيها الأم نفسها أهم من أطفاله يؤدي إلى تغييرات حقيقية في كيمياء الدماغ:
- فرط اليقظة (Hypervigilance): يتعلم الطفل مراقبة تعبيرات وجه الأم بدقة للتنبؤ بنوبات غضبها. هذا يُبقي الجهاز العصبي في حالة “تأهب” دائمة.
- اضطراب الكورتيزول: العيش مع أم نرجسية يرفع هرمونات الإجهاد بشكل مزمن، مما قد يؤدي إلى مشاكل صحية طويلة الأمد وضعف في المناعة.
- تدمير تقدير الذات: يكبر الابن وهو يعتقد أن قيمته مرتبطة فقط بمدى “فائدته” للأم، مما يؤدي إلى فقدان الإحساس بالهوية الذاتية.
المحور الرابع: لماذا يصعب كشف الأم النرجسية؟
في سياق النرجسية بالعربي، يُعد كشف الأم النرجسية تحدياً مضاعفاً بسبب:
- الستار الاجتماعي: الأم النرجسية غالباً ما تكون “ملاكاً” أمام الناس و”طاغية” خلف الأبواب المغلقة. هذا التناقض يُصيب الأبناء بـ الاجترار العقلي والارتباك.
- المفاهيم المشوهة للبر: يتم استخدام النصوص الدينية والاجتماعية حول “بر الوالدين” كأداة لإسكات الضحايا ومنعهم من وضع حدود صحية. الأم النرجسية تعتبر أي محاولة للاستقلال “عقوقاً”.
- صدمة الترابط (Trauma Bonding): يرتبط الطفل بأمه بيولوجياً، وعندما تكون هي مصدر الألم والأمان في آن واحد، ينشأ ارتباط إدماني مُدمر يصعب كسره حتى بعد الكبر.
المحور الخامس: طريق التعافي للناجين
التحرر من هيمنة الأم النرجسية لا يعني بالضرورة الكراهية، بل يعني الاستقلال النفسي:
- تطبيق “اللون الرمادي” (Gray Rock): عند التعامل معها، كن مملاً، لا تعطها معلومات شخصية، ولا تتفاعل مع استفزازاتها. احرمها من الوقود النرجسي.
- وضع الحدود الصارمة: تعلم أن كلمة “لا” هي جملة كاملة. حماية سلامك النفسي أهم من إرضاء شخص لا يمكن إرضاؤه.
- علاج الصدمة (Trauma Therapy): العمل مع متخصص في C-PTSD لإعادة بناء الهوية المفقودة وعلاج “الطفل الداخلي” الذي حُرم من الحب غير المشروط.
- التقبل الجذري: تقبل حقيقة أنها تعاني من اضطراب يمنعها من رؤية احتياجاتك. التوقف عن انتظار “الاعتذار” أو “الحب” الذي لن يأتي هو بداية الشفاء.
الخلاصة: التحرر من “عرش” الأم
الأم النرجسية تعتبر نفسها الأهم لأن اضطرابها يمنعها من التعاطف الحقيقي. هي ترى في أطفالها أدوات لتحقيق مآربها الشخصية، وليس أرواحاً مستقلة.
استعادة حياتك تبدأ من اللحظة التي تدرك فيها أن احتياجاتك كإنسان هي حق أصيل وليست منحة منها، وأن “أهميتك” لا تُستمد من رضاها، بل من وجودك وكيانك المستقل. التعافي من النرجسية هو رحلة للعودة إلى الذات التي سُرقت في الطفولة.
لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

اترك تعليقاً