الاضطراب واحد والقالب الثقافي متعدد
يُعد اضطراب الشخصية النرجسية (NPD) اضطراباً نفسياً عابراً للقارات والحدود، حيث تشترك الشخصيات النرجسية حول العالم في سمات جوهرية مثل الاستحقاق، والافتقار للتعاطف، والحاجة الماسة للإعجاب. ومع ذلك، عندما نتحدث عن المرأة النرجسية العربية، فإننا نجد أن البيئة الثقافية، والتقاليد الاجتماعية، والمفاهيم الدينية المشوهة تمنح هذا الاضطراب “قناعاً” خاصاً يميزه عن نظيره في المجتمعات الغربية.
في هذه المقالة المتعمقة ضمن سلسلة النرجسية بالعربي، سنحلل كيف تتشكل النرجسية داخل العقلية العربية، وما هي الأدوات الفريدة التي تستخدمها المرأة النرجسية في مجتمعاتنا للسيطرة، وهل تختلف حقاً في جوهرها عن المرأة النرجسية في الثقافات الأخرى.
المحور الأول: “القناع الاجتماعي” – النرجسية في بيئة جمعية مقابل فردية
الاختلاف الأبرز يكمن في سياق المجتمع. المجتمعات الغربية تميل إلى الفردية، بينما تميل المجتمعات العربية إلى الروح الجمعية (Collectivism).
- النرجسية “الروحانية” والأخلاقية: في العالم العربي، غالباً ما ترتدي المرأة النرجسية قناع “المرأة الصالحة” أو “الأم المضحية” أو “الابنة البارة”. هي تستمد الوقود النرجسي (Narcissistic Supply) من سمعتها الأخلاقية والدينية في المجتمع. بينما في الغرب، قد يكون الوقود مرتبطاً أكثر بالنجاح المهني، الاستقلالية المادية، أو المظهر الجسدي الصارخ.
- سلاح “كلام الناس”: تستخدم المرأة النرجسية العربية ضغط المجتمع كأداة للسيطرة. هي تبرع في تكتيك الغاسلايتينغ (Gaslighting) الاجتماعي، حيث تقنع الضحية (سواء كان زوجاً أو ابناً) بأن سلوكه سيجلب “العار” للعائلة، وبذلك تحول المجتمع بأكمله إلى أصدقاء طائرين (Flying Monkeys) يساعدونها في قمع الضحية.
المحور الثاني: “الاستحقاق” المعتمد على الأدوار التقليدية
تستخدم المرأة النرجسية العربية الأدوار التي منحها لها المجتمع (أُم، زوجة، أخت كبرى) لانتزاع السيادة:
- الأمومة كسلطة مطلقة: في الثقافة العربية، للأم مكانة مقدسة. تستغل الأم النرجسية هذه المكانة لتمارس الابتزاز العاطفي بالذنب. هي ترى أن أطفالها ملكية خاصة، وأي محاولة لاستقلالهم هي “عقوق”. في الثقافات الغربية، قد يقل هذا الضغط بسبب تشجيع الاستقلال المبكر.
- دور الضحية (The Professional Victim): تبرع النرجسية العربية في “التمارض” أو ادعاء الانكسار والضعف لابتزاز المشاعر. هي تستغل عاطفة “الشهامة” لدى الرجل العربي أو “البر” لدى الأبناء لتجعل الجميع يدور في فلك احتياجاتها.
المحور الثالث: التعبير عن الغضب والإساءة الارتكاسية
تختلف طريقة التعبير عن الغضب النرجسي باختلاف ما تسمح به الثقافة:
- العدوانية السلبية (Passive Aggression): بسبب القيود الاجتماعية التي قد تمنع المرأة من الصراخ أو المواجهة المباشرة في بعض الأوساط، تلجأ النرجسية العربية ببراعة إلى الانسحاب الصامت (Silent Treatment)، الدعاء على الضحية، أو استخدام “التلميحات” السامة التي تثير الاجترار العقلي لدى الطرف الآخر.
- التثليث العائلي (Family Triangulation): في الثقافات الغربية، قد يكون التثليث بين الشريك وطرف ثالث (عشيقة مثلاً). في الثقافة العربية، غالباً ما يكون التثليث مع الحماة، الأخوات، أو حتى الأطفال، لخلق جبهات قتالية داخل البيت الواحد تضمن بقاءها في مركز القوة.
المحور الرابع: التأثير البيولوجي – هل تختلف الصدمة؟
على الرغم من اختلاف الثقافة، إلا أن استجابة جسد الضحية للإساءة تظل واحدة بيولوجياً:
- فرط اليقظة (Hypervigilance): ضحية النرجسية العربية تعيش في حالة تأهب دائم لردود فعل المجتمع ورده فعل النرجسية.
- اضطراب الكورتيزول: الضغط المستمر يؤدي إلى تآكل الصحة الجسدية. في المجتمعات العربية، غالباً ما تظهر هذه الصدمة في شكل “أمراض سيكوسوماتية” (جسدية المنشأ النفسي) مثل آلام القولون، الصداع النصفي، وآلام الظهر المزمنة، كاستجابة لـ صدمة ما بعد الإجهاد المعقدة (C-PTSD).
المحور الخامس: تحديات التعافي في العالم العربي
التعافي من النرجسي في العالم العربي يواجه عقبات ثقافية فريدة:
- صعوبة “الابتعاد التام” (No Contact): بسبب التداخل العائلي والواجبات الاجتماعية، قد يكون قطع العلاقة تماماً مع أم نرجسية أو أخت نرجسية أمراً شبه مستحيل اجتماعياً، مما يتطلب إتقان تكتيك “اللون الرمادي” (Gray Rock) بمهارة عالية.
- غياب الوعي المتخصص: لا يزال هناك خلط في بعض الأوساط الطبية والاجتماعية بين “قوة الشخصية” وبين “الاضطراب النرجسي”، مما يؤدي أحياناً لنصح الضحية بـ “الصبر” و”التحمل”، وهو ما يطيل أمد صدمة الترابط (Trauma Bonding).
- فقدان الهوية الذاتية: لأن المجتمع العربي يشكل هوية الفرد بناءً على انتمائه للعائلة، فإن التحرر من نرجسية عائلية يعني غالباً الشعور بـ الفراغ الوجودي وفقدان الانتماء، مما يتطلب رحلة بناء هوية جديدة تماماً.
الخلاصة: الجوهر واحد والأسلوب ثقافي
المرأة النرجسية العربية لا تختلف في “جيناتها النرجسية” عن أي امرأة نرجسية في العالم؛ فهي تعاني من نفس الفراغ الداخلي، وتفتقر لنفس القدر من التعاطف. لكنها “ذكية ثقافياً”؛ فهي تستخدم القيم العربية (الكرم، البر، العار، الستر، السمعة) كأدوات لتمرير تلاعبها.
الوعي بـ النرجسية بالعربي هو المفتاح. عندما تدرك أن “المقدسات” التي تتحدث عنها هي مجرد فخاخ للسيطرة، يبدأ مفعول الغاسلايتينغ بالانحسار، وتبدأ أنت في استعادة تقديرك لذاتك وابتسامتك المسروقة.
لقراءة مقالاتنا الاسبوعية

اترك تعليقاً