🔬 مقارنة تحليلية في النرجسية عند أبرز علماء النفس: من الصراع إلى التصنيف (دراسة متعمقة في النرجسية بالعربي)
المقدمة: تطور فهم النرجسية – من الأسطورة إلى المنهجية
تُعدّ النرجسية (Narcissism)، سواء كسمة شخصية أو كاضطراب (NPD)، واحدة من أكثر المفاهيم تعقيداً وديناميكية في تاريخ علم النفس. بدأ المفهوم كإشارة أسطورية إلى حب الذات المفرط (قصة نرجس)، وتطور ليصبح حجر الزاوية في مدارس تحليلية مختلفة، وصولاً إلى التصنيف المنهجي الحديث. لم يتفق علماء النفس على تعريف أو تفسير واحد للنرجسية؛ بل تباينت رؤاهم بين من رأى فيها صراعاً داخلياً قديماً، ومن اعتبرها اضطراب نقص ناتج عن فشل أبوي، ومن حولها إلى أنماط سلوكية قابلة للقياس.
تهدف هذه المقالة المتعمقة، التي تقترب من ٢٠٠٠ كلمة، إلى تقديم مقارنة تحليلية شاملة بين النظريات الرئيسية التي تناولت النرجسية، وهي نظريات سيجموند فرويد، كارل أبراهام، هاينز كوهوت، أوتو كيرنبيرغ، وعلماء التصنيف الحديث مثل تيودور ميّلون وروبرت راشكيند/بنوايت بيج. سنقوم بتفكيك الجذور التطورية، والآليات الدفاعية، والنظرة العامة لكل عالم إلى النرجسي والضحية، مع التركيز على فهم سياق النرجسية بالعربي.
المحور الأول: الجذور الكلاسيكية (فرويد وأبراهام) – النرجسية كـ “استثمار وتثبيت”
بدأ فهم النرجسية بالتركيز على الطاقة النفسية (الليبدو) ومراحل النمو، حيث كانت تعتبر بالضرورة انحرافاً أو تثبيتاً غير صحي.
١. سيجموند فرويد (الاستثمار الأولي والثانوي):
- الجوهر: النرجسية هي استثمار الليبيدو في الأنا.
- التقسيم:
- الأولية (Primary): مرحلة فطرية وطبيعية في الطفولة، حيث يكون الطفل مكتفياً بذاته ومركزاً لكونه.
- الثانوية (Secondary): حالة مرضية يتم فيها سحب الليبيدو من الموضوعات الخارجية (بسبب الفشل أو الإحباط) وإعادة توجيهها نحو الذات.
- النظرة للنرجسي**: النرجسي هو شخص فشل في التخلي عن وهم الكمال الأولي، وظل يُحب نفسه أو انعكاس صورته (الاختيار الموضوعي النرجسي).
- العلاج: يهدف إلى مساعدة الأنا على التخلي عن الليبيدو الذاتية واستثمارها في موضوعات خارجية ناضجة (التحويل).
٢. كارل أبراهام (التثبيت في المرحلة الشفوية):
- الجوهر: النرجسية هي نتيجة التثبيت المرضي في مراحل النمو المبكرة، تحديداً المرحلة الشفوية (الامتصاص والعض).
- آلية التدمير: ربط أبراهام العدوانية الشفوية برغبة النرجسي في “تدمير أو ابتلاع” الموضوع (الشريك) للحصول على سيطرة مطلقة، مما يفسر الاستغلال.
- النرجسية والاكتئاب: رأى أن الاكتئاب هو شكل من أشكال النرجسية الثانوية، حيث يتم توحيد الموضوع المفقود مع الأنا، وتوجيه العدوانية ضد الذات (المدمجة).
| فرويد وأبراهام | وجه التشابه | وجه الاختلاف |
| النرجسية | كلاهما يرى النرجسية كفشل في التطور الليبيدي وربطها بالطفولة المبكرة. | فرويد يركز على سحب الليبيدو، بينما أبراهام يحدد الجذور المباشرة في المرحلة الشفوية ويؤسس العلاقة بين النرجسية والاكتئاب. |
المحور الثاني: مدارس علاقات الموضوع (كوهوت وكيرنبيرغ) – الصراع المحوري
شهدت هذه الفترة انقساماً جذرياً في فهم النرجسية، حيث تحول التركيز من الليبيدو إلى العلاقات المبكرة والذات.
٣. هاينز كوهوت (اضطراب النقص والتعاطف):
- الجوهر: النرجسية هي اضطراب نقص (Deficit Disorder). الذات هشة وغير متماسكة.
- السبب: فشل الموضوعات الذاتية (Selfobjects) – الوالدين – في توفير الاستجابات التعاطفية اللازمة (المرآة، المثالية، التوأمية).
- النظرة للنرجسي**: شخص مجروح وضعيف يبحث بشكل قهري عن الموضوع الذاتي المفقود (الشريك/الضحية) لـ “تنظيم ذاته” والحفاظ عليها من التفكك.
- العلاج: التعاطف هو الأداة الأساسية. يجب على المحلل أن يصبح موضوعاً ذاتياً مؤقتاً لتصحيح التجربة النقصية (Optimal Frustration).
٤. أوتو كيرنبيرغ (اضطراب الصراع والعدوانية):
- الجوهر: النرجسية هي اضطراب صراعي يتسم بـ العدوانية والحسد البدائي.
- الآلية الدفاعية: الانفصام (Splitting) هو الدفاع الأساسي: تقسيم الذات والآخرين إلى “خير مطلق” و”شر مطلق”، وإسقاط السلبيات على الضحية.
- النظرة للنرجسي**: شخص عدواني ومُحسد، ذاته مُتضخمة لحماية الأنا من الغيرة والعدوانية الداخلية. يقع ضمن تنظيم الشخصية الحدّي.
- النرجسية الخبيثة: قدم مفهوم النرجسية الخبيثة (النرجسية + العدوانية المعادية للمجتمع).
| كوهوت وكيرنبيرغ | وجه التشابه | وجه الاختلاف |
| النرجسية | كلاهما يرى النرجسية متجذرة في العلاقات المبكرة ومركزية الذات. | كوهوت: نقص، تعاطف، الذات هشة. كيرنبيرغ: صراع، عدوانية، الذات مُتضخمة (كـ “حصن دفاعي” ضد الحسد). |
المحور الثالث: النموذج المنهجي والقياسي (ميّلون وراشكيند/بيج) – النرجسية كأنماط
تحول التركيز من الأسباب الداخلية إلى التصنيف السلوكي القابل للملاحظة والقياس.
٥. تيودور ميّلون (التصنيف الشامل والأنماط الفرعية):
- الجوهر: النرجسية هي استراتيجية تكيف جامدة تم تعلمها لتضخيم الذات وتجنب الألم.
- الأنماط الفرعية: قسم النرجسية إلى أنماط تُفسر تنوعها السلوكي (مختلفة عن NPD النمطي)، مثل:
- العديم الضمير (Amoral): (مُعادي للمجتمع) أكثر استغلالاً ووضوحاً.
- التعويضي (Compensatory): (الأقرب لكوهوت) يُعوض عن شعور عميق بالنقص بالتباهي.
- المساهمة: إضفاء المنهجية على الاضطراب وإعداده للتشخيص السريري (DSM/ICD).
٦. روبرت راشكيند وبنوايت بيج (القياس والبعد الثنائي):
- الجوهر: أكدوا أن النرجسية ثنائية الأبعاد يجب قياسها وفصلها.
- التمييز المحوري:
- الظاهرة (Grand/Overt): تتباهى وتظهر العظمة (تقاس بـ NPI). ترتبط بتقدير ذات مرتفع ومستقر.
- الخفية (Vulnerable/Covert): حساسة، قلقة، تتبنى دور الضحية والمظلومية. ترتبط بتقدير ذات منخفض وغير مستقر.
- المساهمة: إثبات أن النرجسي ليس بالضرورة مُتباهيًا؛ بل يمكن أن يتخفى وراء ستار الحساسية المفرطة والاستياء (النرجسي الخفي).
المحور الرابع: مقارنة مركزة لتفسير سلوك النرجسي والضحية
يمكن مقارنة كيفية تفسير العلماء لسلوك النرجسي وتأثيره على الضحية (الشريك):
| العالم | النرجسي (الدافع الجوهري) | الضحية (دورها في العلاقة) | الآلية الدفاعية الرئيسية |
| فرويد | سحب الليبيدو والحاجة إلى حب انعكاس الذات. | موضوع يُستخدم مؤقتاً لاستثمار الليبيدو قبل سحبها. | التراجع إلى النرجسية الثانوية. |
| كوهوت | الاحتياج اليائس لوظيفة الموضوع الذاتي المفقود. | موضوع ذاتي بديل؛ مصدر لـ المرآة والمثالية لـ “تنظيم ذات النرجسي”. | الانقسام (الضعيف)، والتوحيد المُحَوّل. |
| كيرنبيرغ | العدوانية والحسد؛ الحاجة لحماية الأنا من الغيرة الداخلية. | حاوية لـ إسقاط الجوانب الشريرة/الضعيفة في النرجسي؛ موضوع يجب السيطرة عليه. | الانفصام (Splitting) والإسقاط. |
| راشكيند/بيج | الحماية من الكشف عن الهشاشة الداخلية أو التفوق المُتخيل. | مصدر لـ الوقود النرجسي (إما بالمديح أو بالتعاطف مع دور الضحية). | الإسقاط، الحساسية المفرطة، العدوانية السلبية. |
المحور الخامس: الخلاصات النهائية وتفسير النرجسية بالعربي
تُظهر هذه المقارنة أن فهم النرجسية تطور من نموذج “الخطيئة الليبيدية” إلى نموذج “النقص العاطفي” ثم إلى نموذج “الصراع العدواني” وأخيراً إلى “التصنيف السلوكي”.
١. التكامل السريري:
في الممارسة السريرية الحديثة، يتم استخدام هذه النظريات بشكل تكاملي:
- يُستخدم إطار كوهوت لفهم معاناة النرجسي والحاجة للتعاطف معه.
- يُستخدم إطار كيرنبيرغ لفهم العدوانية، والحدود، والحسد في العلاقة.
- يُستخدم إطار ميّلون/راشكيند لتحديد نوع النرجسي (خفي أو ظاهر) وتكييف الاستراتيجية العلاجية وفقاً لذلك.
٢. تفسير النرجسية بالعربي:
يمكن لهذه النظريات تفسير ظاهرة النرجسية بالعربي في سياقها الثقافي:
- النرجسي الظاهر (كيرنبيرغ/فرويد): يتجسد في التفاخر القبلي أو الاجتماعي المبالغ فيه، واستخدام السلطة الأبوية/الزوجية كوسيلة للسيطرة والاستغلال الصريح.
- النرجسي الخفي (كوهوت/راشكيند): يتجسد في التخفي وراء التواضع الكاذب أو المرض المزمن (لتوليد التعاطف)، أو اللعب على دور الضحية في العلاقات العائلية للحصول على الاهتمام والرعاية (الوقود النرجسي). هذا النمط يعكس حاجة كوهوتية للمرآة، يتم التعبير عنها بطريقة سلبية عدوانية (راشكيند).
الخلاصة: النرجسية كطيف معقد
في الختام، يمثل تطور فهم النرجسية في علم النفس رحلة من التجريد إلى التجسيد. بدأ الأمر عند فرويد كاستثمار للطاقة، ثم انتقل إلى التثبيت الجذري (أبراهام)، وانقسم بين الحاجة العميقة للتعاطف (كوهوت) والعدوانية والحسد الكامنين (كيرنبيرغ). في النهاية، قام علماء مثل ميّلون وراشكيند بتصنيف هذا الصراع الداخلي إلى أنماط سلوكية يمكن ملاحظتها وقياسها (الظاهر مقابل الخفي).
تظل النرجسية اضطراباً معقداً، لكن هذه المقارنة التحليلية تُظهر أن النرجسي هو في جوهره شخص يكافح مع عدم الاستقرار الداخلي، مستخدماً آليات دفاعية مدمرة تُحوّل الآخرين (الضحية) إلى أدوات لـ تنظيم ذاته الهشة أو لإسقاط ضعفه عليها. فهم هذا الطيف الشامل هو مفتاح التحرر من قبضة النرجسية بالعربي.
